الطاهر الثابت.. «الماكرو» في لغة التفاصيل الخفية

الطاهر الثابت (بوابة الوسط)

كثيرة هي الكائنات التي، تشاركنا الهواء والمكان، ولكننا نجهل تفاصيل عالمها، ولا نبالي أحيانًا بقيمة العنصر الجاذب في تكويناتها المدهشة.

التصوير بتقنية «الماكرو» يتولى جانبًا من هذه المهمة بعرض مكبر لتفاعلها باختلاف أشكالها وأنواعها مع محيطها البيئي عبر لقطات جمالية لأوضاعها الثابتة والمتحركة.

الدكتور الطاهر الثابت أحد الذين اختاروا خوض هذه التجربة، مستندًا إلى خلفية التخصص والهواية، فبحكمه أستاذًا لعلم الأحياء الدقيقة بجامعة طرابلس والإفادة من نشاطه في المجال البيئي أمكنه الجمع بين الجانبين العلمي والإبداعي بدمج المعرفة بالفن الجمالي في تقنية «الماكرو».

طالع: صلاح بلحاج.. متاهة الجسد وعقدة الاعترافات المؤجلة

وكأي مشهد فوتوغرافي يعتمد بصمة الخلفية أو ما يعرف بـ«البوكيه» تتحول نظرتنا العادية المجردة بواسطة التكبير المجهري إلى تأمل تفاصيل رائعة نلحظها مثلا في وضعية الامتداد ليرقة والنقاط الصفراء على جسمها المنسجمة مع لون المحيط المعزول، إضافة إلى أن لغة «الماكرو» تتيح لنا النظر مليا في الأشواك الدقيقة على ظهرها الشبيهة بالفرو، وهي تتأهب لأخذ موضع آخر على الغصن.

وفي حالة «اليعاسيب» تصبح المهمة صعبة نوعا ما بسبب حركتها المستمرة، ويظل الصبر والانتظار الحل الوحيد للحصول على اللحظة الهدف، كما أن تركيبة عيني اليعسوب ولمعانهما يزيدان من درجة تركيزنا على المشهد، ويقدم الشكل الأنبوبي لليعسوب وأجنحته الزجاجية لحظة تشبثه بالورقة سانحة فوتوغرافية لإظهار جمال تباينه مع المحيط .

السوبر ماكرو
في حالة العناكب ولأجل الحصول على صورة لعنكبوت سرطاني تستخدم تقنية «السوبر ماكرو» أو التكبير المضاعف، ففي حين تعجز مواصفات الضوء العادي على إسعاف المصور، تتدخل التقنية لحل المشكلة، وقد تلجأ لعزل بعض من أجزاء العنكبوت وهي خطوة فنية بغية الحصول على تفاصيل مجهرية للرأس، ومع أن المجهود كبير في صور العناكب ولكن تظل الحركة البطيئة لها ميزة تمكن المصور من امتلاك خيارات عدة لأخذ الزاوية المناسبة.

وللفراشات كذلك سحر بنكهة الألوان، فالمسحة الداكنة لإحداها وهي تقبل زهرة جهنمية يرفع من درجة تمايزها بسبب تباين لونها عن المكان، قرنا استشعار وجناحان جميلان وأرجل رشيقة ثم مصافحة العدسة، وقد يلعب اللون الواحد دورًا رئيسًا في بعض الأحيان كما في الفراشة البيضاء وهي تحاور زهرة اللاتانيا، وربما يختلف المشهد قليلًا فلون الجناحين وشكلهما يصبح امتدادًا للوردة ذاتها.

وفي ضفة أخرى تقبل النحلة بعالمها الخاص، وعقدُها الأزلي مع الزهرة وهو ما يقود العدسة نحو الأخيرة في انتظار لحظة احتضانها النحلة وهي تمتص الرحيق.

وإذا ما أدركنا أن منطقة الرأس تظل في عالم «الماكرو» مركز الانتباه البصري في الصورة ومنطقة التنافس الرئيسة التي يسعى محترفو التصوير لإبرازها، يتبدى لنا في قاموس النحل تفاصيل تبدأ من وضعية رأسها الدقيق المغروس المعبر عن انشغالها المتواصل ثم صعودًا إلى حيث اللحاف الوبري الذي يكتسح أغلب مناطق جسمها.

وبالوصول إلى مكملها «الزهرة» تنهض ألوان صفراء وحمراء وبيضاء وأقحوانية مانحة الشعور بالبهجة، يرينا الفوتوغراف جمال التحام العنق بصحن الوردة كما في النهاية إلى قلب الزهرة حيث مسقط جاذبية البصر.

الزهور الجهنمية والنرجس والبوقرعون تكون بتأثير ألوانها الصافية مع خلفية جيدة من العزل مشاهد جاذبة للعين، والقصد تكسير النظرة العادية للزهرة.. هكذا يقدم الفنان فلسفته الفنية في الورود عبر العدسة.

الطاهر الثابت في مجمل أعماله يحاول المزج بين القيمة الجمالية والمضمون المعرفي الذي تقدمه وكذا الإحساس بالحياة وبجمال الطبيعة وضرورة تنوعها.

من أعمال الطاهر الثابت (بوابة الوسط)
من أعمال الطاهر الثابت (بوابة الوسط)
من أعمال الطاهر الثابت (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط