طلال بريون.. مدارات الأضواء ومفازات الظلال

الفنان طلال بريون (بوابة الوسط)

منحه ولوج الكشافة تذكرة ذهبية للتجوال في عوالم الفضاء الفوتوغرافي، ومعاينة جمالياته الطوبوغرافية في الأودية والصحاري والمدن، وستتكفل الخبرة والمخيلة بتشذيب زوائد المكون الخام للهدف، وتزيل نشاز الضوضاء الضوئية، لتلامس العين في مرانها الدؤوب موسيقى الرمال والجدران والوجوه، وكذا لغة الشمس في زوايا البنيان، وبصماتها على الأديم الجيولوجي للمستديرة.

الفنان طلال بريون ينحت، بشغف فوتوغرافي، ملامح مكملة لمتوالية ضوئية تضرب في عمقها الزمني السالف، وتتجاسر مع أبراقات عدسة تروم سقف لا متناهٍ من الإمضاءات، وهو يتبنى في ذلك منابت التأصيل الضوئي الذي يندفع للحداثة بروافد الماضي، ويطمح للتجريد من مفازات التفصيل، ويبني من الوجه البدائي للطبيعة قاعدة تتأسس عليها أبعاد الإضافات اللاحقة في الفكرة وسبل بثها فنياً عبر الصورة.

يحاول بريون في أعماله رسم أبعاد العلاقة الثنائية بين المادة وظلها، وسبر امتدادات الشق الناعم للكتلة، اللذين يتجاوران معاً لمداعبة الخيال التصويري للمتلقي الباحث عن الفرادة والمغامرة البصرية، وبذا نرى شراكة الذائقة الثنائية للفنان والمتفرج تتجاوران لتطويع المجال الضوئي طلباً للرقي بمفهوم الفلسفة الجمالية للصورة، وكما يمتاح خيال الأول من أبجديات الرسم اللوني للعمل وهضمه نفسياً في حوار داخلي، ينطلق الثاني من خلفية سؤاله الدائم: كيف يمكن النظر للصورة؟

طالع: عبدالرؤوف مادي.. الجسد والضوء بلغة البورتريه

وبذا تتوجه علامات الاستفهام مثلاً في أعمال بريون عند تخوم هذا السؤال لنلحظ إشاراتها عند مفازات ظلال السيف الرملي، أو جماليات ممشى جمال المهاري، وإطلالة بريئة لوجه طفلة الجنوب.

بعد آخر يشاغل خيال الرؤية لدى الفنان عند سوانح التدرجات الضوئية في الأسقف المعلقة والأقواس، ويصبح هذا الرسم الشمسي المبهج، مجالاً جاذباً للعدسة، لكي تتخير وتمتحن مهاراتها في استنطاق عجائب هذه اللقيا في ممر يحفل بالأقواس، وهي فسحة خيالية لرصد ملامح التداخلات البينية للظلال في المادة، ففي ومضة فوتوغرافية ينحو الفنان إلى اقتفاء أثر المسحة التجريدية لديكور سقف تتشابك فيه الأضواء والظلال، ولكن ما يمنح للشكل طابعه الجمالي إظهاره في المسافة الفاصلة بين المجهري والعادي، إذ يبقى التركيز مشدوداً صوب النموذج الذي ذهبت إليه العدسة لتقدم النفس الظلي للضوء.

وكما تهفو الكاميرا لاصطياد معطيات المكان، تعود بنا إلى آفاق المساحات المفتوحة في الصحراء، حيث تتكفل ريشة الريح بنحت لغتها التجريدية الخاصة، وتضع العين اللاقطة أمام تمظهرات الرمل وزخارفه على ظهور الكثبان، وهو ذات الفضاء الذي يفاجئنا بجماليات الصرح الصخري، الذي لا تتوقف التضاريس على تنعيم أجسادها الضخمة، محولة إياها من كتلة صامته إلى كائن متفجر بالدهشة والجمال.

لغة العدسة لدى الفنان طلال بريون تحاول الإمساك بالشعاع المتملص في مسيرة طويلة لاستجواب صمت المادة، وتتجول في أعماق مجاهلها المتوشحة بالغموض، باحثة عن الحياة في جمادها، فهي بالنسبة للفنان كائن له أنفاسه وروحه وموسيقاه، تشاغلها العدسة للبوح أو تذهب إلى مكامنها، حيث تختبئ نفائس مدارات أضوائها ومفازات الظلال.

من أعمال الفنان طلال بريون (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان طلال بريون (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان طلال بريون (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان طلال بريون (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط