يوسف الشريف يكتب عن محمد الزواوي في ذكرى وفاته: مؤرخ الناس

الفنان محمد الزواوي (الإنترنت)

على صفحته بموقع «فيسبوك»، كتب الأديب الليبي الكبير يوسف الشريف منشورًا عن الفنان الراحل محمد الزواوي في ذكرى وفاته تحت عنوان «محمد الزواوي مؤرخ الناس»، وفي ما يلي نص ما كتبه الشريف:

من السهل أن تكتب عنه، أيضا من الصعب، الحل أن تكتب عنه كما يرسم هو، لا تعريفات ولا نظريات في فن الرسم ولا مدارس ولا مدرسون، هو لم يتأهل من مدرسة أو نظرية معينة، كما لم يشرف عليه مدرس ويمنحه إجازة التخرج، لكن هذا لا يعني أنه لم يستفد من التجارب الأخرى، ثم وبكيفية أو بأخرى صار هو مدرسة، لا أقول متميزة لكنها مختلفة، ولعل في الاختلاف تميز، ففي البدء كانت الموهبة ثم الممارسة ثم الوعي، من هذا الوعي تشكلت نظرته للناس والحياة، ومنها تشكلت أسئلته، أسئلة اصطدمت بواقع اجتماعي متخلف، ومن هنا صار لكل سؤال عنده موقفا، تحول إلى مؤرخ لليومي في حياة الناس، هو جزء منها وشاهد عليها، يؤرخها دون رتوش، بقبحها وجمالها، يكشف عن تفاصيل حياتنا في البيت والمدرسة والشارع والمصنع والمكتب وفي المستشفى، اندس بيننا فيما نحن نأكل ونحن نشرب ونحن نتعارك ونحن نلوث البيئة على شط البحر ونتقاتل بسياراتنا وأصواتنا، صار موجودا معنا في كل مكان وفي كل وقت، كأنه ساحر يرتدي طاقية الإخفاء يرانا ولا نراه، يسمعنا ولا نسمعه، لكن ريشته تترك خطوطها على عتبات قلوبنا، تفتح عيوننا على نماذج شتى من سلوكيات تعودنا عليها زمنا طويلا حتى لم نعد قادرين على كشف عيوبها ونقائصها وفي بعض الأحيان نعجز عن رؤيتها أو الإحساس بوجودها، الغريب أننا وهو يكشف لنا عنها نضحك، فيما هو لا يبالي إن ضحكنا أو بكينا، هو فقط يطلب منا أن ننتبه من غفلتنا لأن ما نعتقد أنه بسيط هو الذي يحدد قيمة حياتنا ويمنحها معناها، ولأنه كذلك، فهو يعري أسوأ ما في سلوكنا وفي أي مكان نكون، وهو في كل هذا يضغط على التفاصيل لأنه يذهب إلى أبعد مما نعتقد، وهذا ما يفسر رسوخ رسوماته في وجداننا زمنا طويلا، ولأنه ليس بعابر سبيل يلقي سلاما ثم يمضي في طريقه، كأني به مؤرخ من نوع فريد، أنت إذا عدت زمنا إلى الوراء بإمكانك أن تشاهد لوحة بانوراما لمشهد متكامل من مشاهد حياتنا عشناه ذات يوم.

إن صفة التميز فيه تظهر جلية في الموضوع وفي الواقع وليس في الفكرة، هو لا يتعامل معها لأنه ليس بالمنظر أو المفكر، يواجه واقعنا الاجتماعي ويكشف عما فيه من خلل، لذلك لا بد وان تكون خطوطه ويكون رسمه ويكون سؤاله واضحا، هذا يتجسد في انسيابية خطوطه وخلوها من الانكسارات بل إنها تخلو من ظلال المعنى، لا يترك تفصيلة مهما تكن صغيرة إلا ويظهرها ولا يترك منها سؤالا مواربا، لاحظ الوجوه، أنت قد تعتقد بتكرارها لصرامة رسمها، التجاعيد وشعر الرأس العاري وانكسارات الطاقية كأنه يعدها عدا، حتى الظلال يرسمها كاملة، وقس على ذلك ما يرسم من شواهد الحياة، وهذا ما يخالف شروط تجسيد الفكرة والتي قد تكتفي بخطوط معدودة، هو ليس رسام كاريكاتير بالمعنى المألوف والمتعارف عليه، هل هو فنان تشكيلي..؟ هو فنان فحسب، فنان يمتلك بصيرة تتجاوز ما نراه ونحسه، الألوان عنده ليست هي هدف ريشته ولا الأشكال، ما يهم ويثير فيه الأسئلة هو الموضوع أو الحدث أو الظاهرة وكيف يعبر عنها في حقيقتها الحية والمعاشة، بهذا المعنى لا يمكن وصفه إلا بأنه فنان من طراز مختلف، ولأنه كذلك فقد احتل مكانة يصعب أن يجاوره فيها فنان آخر على الأقل في المستقبل المنظور، هذا لا يعني أنه سيكون الأخير، فالفن كما الحياة دائما يتجدد ولا يتكرر، وإذا ما جاء فنان آخر فلن يكون نسخة منه، ذلك لأن الظروف تتغير والناس يتغيرون وفنان اليوم ليس هو فنان الأمس ولن يكون هو فنان المستقبل.

مذ عرفته قبل عقود وهو ذلك الهادئ الوديع في حياته والصارم القاطع في ما يرسم، لم يحد عن صرامته في نقده لمجريات حياتنا، ولعلي لا أتردد في وصفه بالمؤرخ، ولعلي لا أتردد أيضا في القول ومن خلال متابعتي لمعظم الرسامين العرب في هذا النوع من الفن أنه ما من رسام غيره أوقف ريشته على هذا التأريخ الاجتماعي مثلما فعل هو.

أحيانا أتساءل عن غياب السياسي في أعماله، لكن سرعان ما أعود وتقول لي نفسي..إن الاجتماعي يختزل السياسي..ثم تصرخ في وجهي..لماذا تريد حشره في زاوية ضيقة..؟ يكفيه أن ينزع ورقة التوت عن الاجتماعي كي نعرف ما بعدها وما قبلها، وما تعتقد انه بسيط يواري خلفية تكتظ بأسئلة كثيرة.

صديق الزمن البعيد، عقود من زمن جمعتنا حتى عام رحيله، عرفته برسمه واتزانه وهدوئه بل وبصمته، لا يتكلم كثيرا ولا يدخل في جدل، يعتذر حتى عندما يكون على صواب، وهو أيضا عنيد، إذا قال لا انتهى الأمر، أيضا عرفته بمعاناته، وقد عانى كثيرا من الذين حاولوا كسر ريشته، لم يفصح عن معاناته واحتفظ بحقيقته.. فنان الناس ومؤرخ حياتهم.. محمد الزواوي.

من أعمال الفنان محمد الزواوي (الإنترنت)
من أعمال الفنان محمد الزواوي (الإنترنت)
من أعمال الفنان محمد الزواوي (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط