نجاة أحمد لـ«بوابة الوسط»: لو لديَّ جناحان.. لطِرْتُ داخل فضاء اللوحة

من أعمال نجاة أحمد أبوشيبة (بوابة الوسط)

مفاجأة المشهد التشكيلي الليبي تبهجني، هذا المشهد الذي يمنحني كلّ ذات حين التعرف على تجربة تشكيلية لفنانة ليبية، نجاة أحمد أبوشيبة تقدم نفسها ببساطة، في سيرتها لم أجد المعارض التي شاركت بها، هي التي لم تقدم حتى هذا اليوم معرضا خاصا بها، فقط تشارك في معارض مشتركة، ولاتوثق حتى اسم المعرض الذي شاركت به، لوحاتها تسافر إلى معارض خارجية، ولكنّ تظل هي معلمة تربية فنية تمنح طالباتها خلاصة تجربة فنية.

فنانة تشكيلية تبحث عن وقت وأجواء مواتية، لتكمل لوحة بدأتها منذ عام، تقول عن هذه اللوحة: «هي لوحة أرسم فيها امرأة شابة بلباس ليبي قديم (رداء وعصابة) وتتزين بالفضة تمسك بيدها فنارا يضيء طريقها وهي تعبر من (السقيفة) واللوحة حجمها تقريبا متر وعشرين في متر ونصف المتر».

في هذا الحوار نبحر مع هذه المبدعة ونتعرف على فنانة تشكيلية ليبية تعشق الرسم وتواصل اللهو مع الألوان، هذه الألوان التي كما تقول: «أجد فيها حريتي».

* في لوحاتك أجواء البيئة الاجتماعية والحياة اليومية، هل انطلقت من رؤية ما؟
_ نعم، الحنين للماضي الجميل، للبساطة للذكريات بحلوها ومرِّها، لشارعنا القديم «حفايا نجارو»، نستمتع باللعب لانهتم بما نلبس لانلاحظ ما يلبس رفقاء اللعب، نكون مستغرقين في بساطتنا، بساطة ونقاء حقيقي، تجديه حتى في العمارة ذاتها، البيوت البسيطة التى أبوابها من خشب تطل على الشارع الصاخب بنا،العمارة تلك العتيقة البريئة المليئة بذكريات عبقة باللمَّة والوّد، جدران قديمة مهترئة حنٌّ وأمان.

* إذا أنت كمبدعة رسامة، فنانة تشكيلية لديك رؤية؟
_ أكيد لدي رؤية للفن بل رؤى، وأنا أرسم لأني أجيد الرسم وتخصص دراستي وأحاول أن أوثق ما أتذوق من جماليات الأشياء حولي ، أشياء تشدّني وتشبهني ،لكن مازلت لم أرسم لوحات نبعت من داخلي، وحين أختار أن أرسم فإني أحاول أن أعبّر من خلال اللوحة عن مشاعري و همومي أحزاني وأحلامي.

وبالنسبة لرؤيتي فالفن حرية، الفن تعبير عما نشعر به ونحسُّ تجاه أي قضية تشغل تفكيرنا،الفن استقلالية في الرأي مدرسة وفلسفة،والفن امتداد لشخصية الفنان لرؤياه لكل شيء في العالم.

* لديك مجموعة لوحات للأفق،لحظة غروب الشمس،سحب هاربة.. هل تجدين في هذه الفضاءات مساحة حرية؟
__ الأفق، دائما يشدّني خط الأفق، أتأمله على مدّ البصر بين مدّ البسيطة وهواجس السماء، كأن هناك وشوشة وحديث وكلام خاص،يشدّني هذا الغموض وربما الحزن، أحاول أن أفكَّ طلاسم معالمها، ومايحويه من آتٍ لم يأتِ؟!

* ولأن الحنين يشدّك ثمة لوحة شدّتني، التي أسميتها «صانعة الأجيال» بينما هي تصنع الفخار؟!
_ بالنسبة لي هي «صانعة أجيال» من تمسك الطين بيديها وتعمل، من تصنع الكانون للدفء، والفرن الكبير من أجل خبزها، هذه اللوحة حنين لطفولتي، حين كنت أصنع مع أمي الكوانين وفرن بيتنا، رأيت نفسي تلك الطفلة التي تتأمل تلكما اليدين، هما يدان تبدعان تصنعان حياة، أحبّ هذه الوجوه أُغرم بملامحها، طيبة وعزة وتواضعا ،وهذه اللوحة زيت على قماش، متر ×70.

* لاحظت أن لوحاتك ذات حجم كبير وأيضا ثمة عشق للألوان؟
__ لوحاتي متفاوتة الأحجام ، ربما أكبر الأحجام كانت لوحات الأفق ،ولكن أنا مغرمة بالمساحة الفارغة،فما بالك بالأحجام الواسعة، فضاء أشعر أنَّه لو لي جناحان لطرت بداخلها، أعبّر بحرية أرسم أفكاري وهواجسي، فضاء يجعل الروح تنعكس في اللوحة بشكل أو بآخر، ونعم أعشق الألوان أتحكم بها أضعها بثقة، أجد حريتي فيها وأقودها، هل أقول إنها تلبس شخصيتي! لا أكتفي بلون واحد بل أمزجه مع ما أراه بعينيِّ وروحي،ألوان صريحة غامقة وبكل أشكالها بارزة بالسكين، لا أقتصد في الألوان أعطي اللوحة حقها ببذخ،من ألواني الجميلة وأحاسيسي الفياضة من روحي وشعوري، حتى أبتعد عنها وأحسُّ أنها اكتفت،أنها تململت لأنها امتلأت حتى تكاد تقول: يكفي حينذاك أخاف أن أزيد ألوانا فتفسد لوحتي.

* لنخرج قليلا من فضاء اللوحة وأسألك عن علاقتك بالوسط الفني التشكيلي، وأيضا «دار الفنون»؟
___ أولا علاقتي بالوسط الفني التشكيلي جميلة جدا، «أحبهم في الله والفن والوطن» جميعهم بلا تحديد ،وأشجع أي مبادرة يقومون بها حتى إن لم أستطع الحضور الشخصي، أمّا علاقتي بتلك الدار( دار الفنون ) أحبّها لأني أجد الفن وألتقي بأناس فنانين رائعين، فيها «عماد باشا» أخي وصديقي ومن أوائل من شجعني واحتفى بفني وسمّاني (خبيرة لون)، عرضت فيها لوحاتي وتمَّ بيعها.. هذه الدار حميمة ودافئة.

* لوحاتك واضحة، بمعني أنت اخترت المدرسة الواقعية؟
_ وهل هناك مشكلة لو اخترت هذه المدرسة؟ بطبعي أحترم كل الخطوط واللوحات ،حتى طلبتي الذين أدرسهم ، أتمعن في خطوطهم التلقائية وحتى المستنسخة وأحييِّ ذلك فيهم، ويزعجني أن أسمع بنقد «الفن التجريدي «للواقعي أنّه نقل، تأملي لوحاتي هل يعقل أن أبذل روحي في اللوحة ورؤيتي ولايظهر ذلك ، حتى إن اخترت منظرا طبيعيا، أو رسمت دجاجات وديكا يرقبهن؟! وأنزعج أيضا من «الفن الواقعي» ينتقد «التجريدي» أنه لم يرقَ لمستوى الدقة والحنكة فلجأ إلى الخربشة،سمعت وقرأت انتقادات كهذه انزعجت منها ، فلكل مذهب فني جماله وخصوصيته، والفن حرية وكل يختار ما يحبه وما يعبر عنّه، أنا أحبّ الرسم وأجيّده واخترت أن أرسم هكذا وأحبّ وأحترم كل خيارات الآخرين، الفن فضاء حرية وعلينا أن نلهو جميعا في هذا الفضاء ونرسم ما نحب وما يعبّر عنّا.

* جميل جدا أيتها المبدعة ، لنخرج لفضاء الفن وأسألك : ترسمين وجه المرأة بهيا فاتنا « هكذا رأيت»، حتى تلك «صانعة الفخار» رغم تقدمها في السن ولكن تبدو لعيني «فاتنة» وأيضا رضا وبهجة ربما؟
__ لو لاحظت ، هذه الوجوه بها ترقب وتأمل ، هي المرأة لها وجودها البهي، تشدّني الوجوه التي تمنحني رغبة في أن أرسمها، أن أقبض على لحظة توهجها، (أحبّ الجمال الروحي لا الشكلي) وأحاول أن أظهره، بالنسبة للوحة « صانعة الأجيال «أحببت ملامح الطيبة والرضا والتواضع، وجه مليء بالكفاح والأنفة وابتسامة تتحدى الصعاب، في وجه المرأة مساحة للبوح ولقول الكثير، وأنت رأيت رضا وبهجة في تلك الوجوه وأيضا فتنة، وهذا هو دور الفن أن يمنحك قراءة ما، وأن يأخذك إلى لحظة تأمل.


في سطور:
انظر إلى لوحات ، لوحات اختارت مبدعتها أن تكون واسعة الفضاء، هي كما تقول اختارت أن ترسم «الحنين والتراث» حنين لعوالم بريئة عاشت في أجوائها، وتراث تحب أن تجسده حتى في خطوط باب قديم ، كما تقول هي: رسمت بكل المواد لكنّ أغلبها زيت، وعلى كل الأسطح ورق وخشب وقماش على ورق مقوى، وقماش تحضير شخصي وجاهز.

نجاة أحمد أبوشيبة التي تحصلت على بكالوريوس من كلية الفنون الجميلة تخصص رسم وتصوير عام 1995م، وشاركت في معارض محلية أقيمت في دار الفنون، ودار حسن الفقيه، وارتحلت لوحاتها للمشاركة في السعودية، ولاتؤكد هل كان لديها مشاركة أيضا بلوحاتها في جنيف أو قبرص، هي غير معنية بتوثيق سيرتها الفنية، تواصل منح تلاميذها وتلميذاتها، وتواصل حياتها العادية وتنتظر وقتا ملائما لتكمل لوحة،لوحة لامرأة ليبية تلبس «رداء وعصابة» وتتزين بالفضة وتحمل فناراً وتنتظر بسقيفة الأيام.

من أعمال نجاة أحمد أبوشيبة (بوابة الوسط)
من أعمال نجاة أحمد أبوشيبة (بوابة الوسط)
من أعمال نجاة أحمد أبوشيبة (بوابة الوسط)