قهوة سي عقيلة الحلقة (48) «اعودة مبهجة للحياة»

      الحاجة وافية، والدتي، والحاجة زينب ، حماتي، شخصيتان متناقضتان ولكنهما ظلتا طوال نصف قرن صديقتين بلغت علاقتهما حد التآخي من لقائهما في شارع شمسه ثم الرعيض وأخيرًا في الفويهات الغربية، ولعل هذه الصداقة تؤكد ما فسرته نظرية التكامل عن العلاقات الإنسانية.

     والدتي كانت شخصية جيدة الإنصات بمقدورها أن تسمعك يومًا كاملاً ولا تقاطعك إلا لتقدم لك «طاسة» الشاي المنعنع من بعد تزيينها برغوة أفنت فترة إنصاتها في إعدادها. الحاجة وافية هادئة في حركتها ما زلت أذكر انسيابها كل يوم وعودتها من جولتها الصباحية بالمحالات القريبة من شارع قصر بوهادي. كان ذلك المشوار هو متعتها الحقيقية تنتقي نصف كيلو كوسة ومثله جزر، وما قد تحتاجه من خضراوات أخرى، المهم الكوسة والجزر من محل السعيطي الذي يديره رمضان الفاخري وعلبة حليب كارنيشن صغيرة من محل زواوة وخبز قمح كوشة «الطرلي» وقطعة جبن حمراء من محل الشكماك وقطة اللحم الضاني المعتادة التي ينتقيها لها محمد ساطي بود الابن لوالدته. وتعود أحيانًا قبل أن يستيقظ أحد من البيت كله. لم تتوقف عن هذا الروتين اليومي إلا بعد أن تمكَّن منها «الزهايمر» وتولى شقيقي إبراهيم وزوجته مراقبتها مراقبة اللصيق. لا أحد يذكر أنه سمعها تصرخ أو يعلو صوتها. فهي وديعة كالأرنب لا تحب أن تأكل أحدًا ولا تحب أن يأكلها أحد. نسمة ربيعية عاشت ورحلت.

     أما الحاجة زينب التي تولت مبكرًا مسؤولية خمس فتيات لم يبلغن الحلم بعدما رحل مبكرًا زوجها علي المهدي الجيلاني. فانقلبت إلى شخصية قتالية أقرب إلى الرجال منها للنساء. كنتُ أقول لها إنها كتيبة كاملة من مقاتلين أشداء. صوتها جهوري، مُهاجمة حادة لا تتردد في مقارعة «هولاكو» لو داس على طرفها. تنطلق من شارع عبد المنعم الرياض إلى الفندق البلدي ثم تجدها بعد ساعة واحدة في سوق الحوت، ويخيل لك أنك قابلتها في عيادة سيدي حسين.

    أحد أصدقائي قال لي ساخرًا: «يخيل لي أن لك مجموعة الحموات.. إنني أراها في كل مكان. تنطلق نحو (الجنسية) خلف الفندق وتستقل (قيطون) وتنطلق إلى دريانة تشرب الشاهي مع أي من أخواتها، وتعود لتعد الغداء لبناتها قبل عودتهن من الجامعة أو المدرسة الثانوية. أخذتْ معها والدتها إلى مكة وطافت بها وأرجعتها لي وأخذت وافية وطافت بها وأنا أراقب معجزة قوة عشرة رجال في الحاجة العجيبة زينب. تفاجئك بغضب (نوة لمباركات) وتجدها بعد ساعة واحدة (غليني) كبحر بوفاخرة في آماسي أكتوبر أو نوفمبر».

كنت دائم التلصص والإنصات لحكايتهما وضكاتهما الدافئة والود بينهما، لدرجة أنني كثيرًا ما ألغيت مشروع خروجي لأمر ما وادعى حاجتي لطاسة شاهي.

ذات يوم، وفيما كانت الحاجة وافية وبناتها يتهيأن للذهاب إلى شاطئ النخيل، دخلت الحاجة زينب فاقترحت عليها أن تذهب معنا أجابتني: «البحر عندي بحر دريانة وبس...». أجبتها مناكفًا: «لو أحد من عرب دريانة دعانا لوافقنا خصوصًا ونحن نحب رفقته...».

قاطعتني: «هيا توا...». أقنعتها أن تذهب معنا اليوم ونذهب معها الجمعة المقبل. وافقت ولم أتوقع ذلك لأنها لا تحب مطلقًا أن تقضي ليلة بعيدة عن مرقدها، فبعد أن زوجت بناتها كلهن وظلت في البيت بمفردها تصلي عشاءها ثم تفترش مرقدها أسفل صورتين معلقتين رفضت أن ترفعهما من على الحائط، صورة زوجها وصورة الملك إدريس السنوسي ولم تقبل نقدًا من أحد بشأن صورته حتى أن أحد أصهارها توعدها ساخرًا بأن يبلغ عنها الأمن الداخلي. فأخبرته محتدة: «وراسك ما يحولها واحد إلاّ على جثتي.» وظلت الصورة في مكانها ولم تنقلها إلى غرفتها بالدور الأول إلا بعد أن وصلها قرار تمليك منزلها الحكومي الذي لم يُملَّك لها في عهد المملكة. عندما ناكفتها بشأن حلفتها بعد نقل الصورة. أجابتني ضاحكة: «طيح سعدك.. أنا رفعت مقامهما من تحت لفوق!».

     يوم الجمعة الموالي جاءتنا ودخلت كإعصار: «هيا نوضوا.. سماحة البحر في الصباح الباكر» وذهبنا إلى بحر دريانة. غفوت من بعد الظهر وعندما صحوت وجدتهما جالستين على الرمال غير بعيدتين من انكسار الموج. هذه المرة كانت زينب هي من تعد الشاهي: «أجلس..» قالت: «ريح مقاعدك..». جلست ثم استلقيت في مواجهتهما وصلت قدماي الماء متأملاً كيف جعلت نار الكانون على مستوى الرمال فيما خفضت الناحية التي تستقبل الريح.. ولم انتبه أن أصابع قدمي شكلتا أثرًا في الرمال التي يصلها الماء.

     قدمت لي الشاهي. فجلست. رأت أثار أصابع قدمي.. ضحكت، قالت: «خطرت عليّ.. أيامٌ كان والدنا يأخذنا معه في الأفجار نجوب الشاطئ يمينًا ويسارًا إلى أن نجد أثر كالأثر الذي تركته أصابع أقدامك، نتتبعه لنصل أين دفنت ضفادع البحر بيضها من قبل أن تخفيه الرياح، خصوصًا الشرقية. نفحت عن انقطاع الأثر ونصل إلى بيض تلك «الفكارين». كان عند توافره زادنا لأيام. أيام الحرب الله لا يوريها لكم..».

     في ذلك الوقت لم يخطر ببالي أبدًا أن البحر سيأخذني لأكثر من عشرين عامًا، صار ملاذي وهوايتي ومصدر رزقي وفوق ذلك حريتي التي لم تتوافر إلا مبحرًا أومستلقيًا على رماله. قرأت عنه أكثر مما قرأت في المناهج الدراسية. ولم يخطر ببالي أبدًا أنه سر الحياة في كوكبنا، فلم يكتشف حتى الآن كوكب واحد به حياة أو به بحار. اكتشفوا في المريخ جليدًا ولكن ليست به حياة. ولم يخطر ببالي أنه في أعماق البحر جبال وأودية وأنهار وحدائق غناء، وأن هناك أعماقًا لم يصلها العلم بعد وأن قارات كاملة كانت مجموعة جزر وأن العالم سيغرق إن ارتفع منسوب الماء. عرفت حياة كائنات البحر وعجائبها وانتبهت أن الله خلق مستشفيات وأطباء لمخلوقات البحر، ورأيت كيف أن أشرس المخلوقت البحرية لا تلتهم ممرضات معروفات مهما بلغ جوعها.. رأيت الله وانتبهت أن الكون يديره ويرعاه خالق، وأن هذا الخلق أخبرنا عنه بين محكم آياته القرانية، ومنذ رؤيتي الوجدانية هذه لم تنقطع صلواتي، على الرغم من نزواتي وهفواتي ورعونتي التي لم تؤذِ أحدًا سواي. لقد عاد لي البحر إيمانًا حقيقيًّا بالله ورسوله وقرآنه المجيد، لم يفلح فقهاؤنا في توصيله لي. لقد أزاح البحر غشاوة عن عيني حجبت نور إيمان حقيقي. وخرجت من مرحلة البحر هذه بخمسة كتب عنه، ناهيك عن قصص ونوادر نشرتها بمجموعات قصصية.

    رائعة أصباح بنغازي في الأيام الصيفية. ما لم يكن لدي ما استلم أو أسلم من أوراق الترجمة إلى مكتب جيمس كيوبت الاستشاري المشرف على بناء مشروع مستشفى 1200 سرير، انطلق مبكرًا إلى نادي الملاحة إما لجولة صيد مبكرة فالأسماك تتحرك مبكرًا قبيل ارتفاع الشمس والحرارة قبل أن تتوغل تبحث عن مياه تناسب تكوين دمائها الباردة.  إن كانت جولة صباحية غالبًا بمفردي قريبة من حاجز، حيث تتحرك مبكرًا الأسماك النهمة الشرسة. فلقد تطورت مهارتي قليلاً وصرت أبحر بمفردي أو بمرافقة «أدميرال البحر»، يونس عاشور، عندما كان آمرًا لغواصة روسية سوداء «عاطلة» كان أسفلها تجمع «قبيلة» من أسماك المغزل الشرسة التي تنقض حتى على صغارها.

      وإن تكن هناك جولة صباحية، فالحديث تحت أشعة شمس لم تتوهج بعد وفوق رمال ندية رفقة رجال سبقوني بهذه المتع بأعوام ممتلئين بذكريات وتجربة ومعرفة لبنغازي وتاريخها. غالبًا مايسيق بشير المجريسي الجميع، وأحيانا يكون عبد الله عصمان يصلح شيء ما، وغير بعيدين عنه حسين بوليفه وعبد الهادي المد، وارحيمه شتيوي.. ولا يتأخر كثيرًا المرحوم إبراهيم الحداد والمرحوم الدكتور علي الساحلي، وفرحات حواس، ثم يصل الشاب المتبسم على الدوام صديق الطفولة ورفيق فصل 3/5 بمدرسة الأمير مبارك الشريف، الذي تولى عددا من مناصب قيادية في بنغازي، وايضا مشاريع شجاعة ، في وقت كان يصعب حتى الحديث عنها، ولعل ابرزهذه المشاريع بناء قرية النيروز السياحية، وتأسيس مصرف التجارة والتنمية. وسيكون له تواجد مثمر في حلقات قادمة. لم تغب عني الكتب المتخصصة في صيد السمك أو سلوكه أو طهيه، فلقد توثقت علاقتي بمهندسين جيمس كيوبت الأجانب وصرت ممولهم بالسمك وفي المقابل أثروا مكتبتي بكتب عن السمك وهي التي طورتُ منها مهاراتي، فما لم أعرفه من الصيادين عرفته من الكتب. كان الصياد يثريك بالمعلومة ولكن لا يعرف تفسيرها، وكان عالم البحر يقول لك المعلومة ولكنه لم يمارسها ممارسة عملية وهكذا أثريت ممارستي العملية بالمعلومات العلمية. فتوج ذلك بخمسة كتب عن الاسماك.

    قبيل منتصف النهار انطلقت إلى مشروع المستشفى أنفد ما قد يتطلب تنفيذه سريعًا، ثم ألملم أوراقي وأعود بها إلى البيت. أنجز ما يتوجب إنجازه قبيل وجبة الغداء، أنطلق والأطفال ثانية إلى البحر. تلك الأيام لم يكن هناك ما يستحق البحث عنه في بنغازي، فحياة الناس في تلك الأيام كانت ما بين التوقيع في سجل حضور موظفي المصالح الحكومية والخروج للبحث عن مؤن من الجمعيات، أو اقتناص ما يعرض من قبل أن يبتاعه المرء مضاعفًا من أسواق سرية موازية، كانت سنوات عجاف.

 

الحاجه وافيه محمد دقيق العمامي
الحاجة زينب المهدي الجيلاني
عبد الله عصمان
السيد بشير المجريسي
الحاج عبد الله عصمام وعبدالرجمن شتيوي ومصطفى الفيتوري
صورة من الزمن الجميل نقلتها عن صفحة الاستاذ سعيد البوري اعتقد انها التقطت عامى 59 /60 بمدرسة الامير الابتدائية لاول فريق كرة سله بمساعدة الاستاذ عبد الرحيم جبر .الله يرحمه.. فى الصورة وقوفا من اليمين فرج الغريانى المرحوم محمد زايد ،سامي عبد السلام البوري
الاول من اليسار الكابتن يونس عاشور
الثالث من اليمين الدكتور على الساحلي
الدكتور على الساحلي
عبدالرحمن حافظ البوري
الاهلاوي الأصيل حسين بوليفة
المهندس مبارك الشريف
خالد ساطي وذراعه اليمين
محمد هيثم العمامي حفيد حفيدها
رمضان الفاخري المفضل عند الحاجه وافيه تقول عنه: " فاخري يابوب كيف خليفه"
السيد ابراهيم الحداد
من اليمين رفيق مخلوف وحسن مخلوف وخليفه مريمي وعلى بوحميدهو فرحات احواس وابراهيم بن هلوم وفتحى بوكر