سالم الكبتي يكتب عن الخال يوسف القويري (1)

رسم يصور يوسف القويري في شبابه

«لن تدركوا إشعاع الكلمة الصادقة ما لم تكن حياتكم صادقة».. يوسف القويري

ثمانون حولًا بالتمام هي التي عاشها ذلك الخال البسيط صارع فيها الحياة والناس ثم المرض، وكان خلالها شجاعا في كل الأحوال، ورحل بعد أن خلَّف أبنية شامخة من القيم والفكر والوضوح.

لم يكن كاتبًا مدجنًا، لم يكن مثقفًا تابعًا، كان مثقفًا وكاتبًا كبيرًا فقط وفاعلًا على مدى الثمانين حولاً بالتمام، كان إنسانًا رغم التوتر والعزلة مؤثرًا في محيطه الثقافي والاجتماعي.

كانت العائلة هاجرت من الوطن في فترات مختلفة إلى البلد المجاور أقامت هناك في الصعيد، في سمالوط ولد العام 1938 منذ ثمانين حولاً خلون في القرن، الذى سلف مع أعوام في القرن الذى خلف.

كانت مصر النيل والفلاح والأرض والإقطاع والباشوات ومواويل القرى في ليالي القمر وعرق الغلابة، كان فاروق ابن فؤاد قد صار ملكًا عليها منذ عام وكان الإنجليز يتمددون في أرجائها ويضعون القناة تحت أقدامهم بصلافة، وكانت مصر جنيهًا ذهبيًا وتصدر قماش الكستور والقطن والرز وكانت مقصدًا للكثيرين، الأزهر والجامعات والمتاحف والفن ورواد الثقافة على اختلاف المدارس والمذاهب، وكان سلامة موسى في تلك الأيام ينحت كلماته في الصخر، مع جيل التنوير والتغيير وسيتأثر به الطفل يوسف في مراحله الفكرية والثقافية بلا انقطاع، وكان هناك طه حسين وأحمد لطفي السيد وأحمد حسن الزيات وعباس العقاد وسواهم.

ذلك العام يمر العام التاسع عشر على ثورة 19 كان أحد قادتها حمد باشا الباسل الليبي الأصل، وهتلر يتولى وزارة الحرب في ألمانيا، وبعد عام سيشعل جذوة الحرب العالمية الثانية شرور وآثام تلحق العالم بأسره إلى 1945 وينال عبدالرحمن بدوي ليسانس الآداب في الفلسفة من جامعة فاروق، ليصل بعد أربعين سنه أستاذًا في الجامعة الليبية حيث وطن يوسف.

وفي الصعيد وما جاوره في أماكن مختلفة من مصر تجمعت عائلات ليبية مثل عائلته منذ القدم وخلال الاحتلال الإيطالي هجرات وتحركات وتنقل استوجبتها ظروف عديده عائلات مثل الباسل ولملوم وفكيرين والعياط وبوالجود ومطيريد وسيف النصر والكزه وغيرهم ثم إلى هناك القواري وصلوا ببعض فروعهم من بيوت الطالب والحاج عمر.

في سمالوط، استقروا وواصلوا حياتهم الاقتصادية في تجارة الشاي علامة التاج، ثم لاحقًا شاي الكباية، وبعض من العائلة وفد إلى الإسكندرية واستمر في نشاطه الاقتصادي الكبير، الذى توسع وازداد وتطور في جوانب أخرى وصولًا إلى رقائق الشمعدان، رغم التأميم الذى ضرب الاقتصاد المصري في زمن الرئيس عبدالناصر.

في بداية القرن العشرين حصلت هناك وحدة عربية اقتصادية شعبية بعيدًا عن السياسة ودون ضجيج أو هتاف أو خطب لم يعلم بها الكثير شركة رباعية تتحقق بين القويري الليبي في الإسكندرية والقوتلي في سورية والعداسي في تونس وبن عثمان في طرابلس، سفن ومراكب تنقل البضائع تجوب المتوسط وتحرك الاقتصاد من الشام في اللاذقية وعبر الشمال والغرب العربيين ذلك زمن الاحتلال وإرهاصاته في المنطقة.

كان القواري في مجملهم أبناء عمومة لوالدتي ويتصلون بقرابة لها ويرتبطون معها مباشرة برابطة الدم والمصاهرة، كنت أعدهم أخوالي، وكنت أسمع منذ صغري عن هؤلاء الأخوال ودورهم الاقتصادي والوطني والاجتماعي والثقافي في مصر وليبيا، وحتى أيام تجارة القوافل مع دواخل أفريقيا وعرفت أغلبهم الذين كانوا على علاقة وطيدة أيضًا بوالدي والأسرة عمومًا، وكان يتردد في الخاطر مشاهد المصانع ومحطة القويري ومعهد القويري ورجالهم الكبار المؤسسون الحاج عبدالله وحمد الرقيق عمدة الليبيين في ديار الهجرة، وأحمد إبراهيم والد إبراهيم الممثل المسرحي في بنغازي ومحمد مصطفي أبوالطاهر ومصطفى القويري أحد مؤسسي نادي ليبيا الثقافي بالقاهرة، ثم الضابط في الجيش الليبي وآمر منطقة طرابلس العسكرية، والحاج مسعد الذاكرة الرائعة التي لا تخطئ للعائلة وعلى القويري المعلم وأحد القادة المؤسسين للحركة الكشفية في ليبيا.

وكان ثمة مصاهرات للقويري اتسعت مع عائلات الوطن العديدة لاغا والمنقوش والكيخيا وامديقش وبعيو والقماطي واحنيش وغيرها، ثم عبدالله ويوسف الكاتبان المثقفان ولدا هناك في الصعيد لكن الجذور ظلت هنا في الوطن البعيد تقف عند الولي الصالح سيدي بعيو، حيث مقبرته تحتويها مصراتة وفيها وسد يوسف في إحدى جوانبها عند الجد الكبير.

في نهاية المطاف عاد عبدالله بعد تخصصه في الجغرافيا من جامعة القاهرة العام 1955 وبحث عن الكيان الوطني والشخصية الليبية، وكتب مسرحية عمر المختار العام 1959 لتقدم مسلسلاً عبر الأثير من إذاعة راس اعبيده العام 1960 كان أبطاله محمد بن يونس ومصطفي الشيباني وخديجة الجهمي وعبدالله عبدالمولى الطوير، فيما ظل يوسف مثالًا جيًدا للمثقف الناضج والواعي الذي حذر مرارًا من قذف المجتمع المتخلف الراكد لطلائعه نحو المنفى النفسي والعزلة، وهتف إذا حاولتم علاج المجتمع بالسكوت فأنتم تتقبلون العزاء فيه، وظل أيضًا سلامة موسى العفي المصلح والمثقف المتمرد الصعيدي القبطي والداعي إلى التغيير والصراع بلا هوادة ضد التخلف والانحطاط نموذجًا ليوسف، الذي عاد في منتصف الخمسينات إلى الوطن مثقفًا كبيرًا وسط أجواء التيارات الفكرية التي تجوب المنطقة تلك الأعوام وفرض على نفسه عزلة أفادته تمامًا، رغم كل شيء واختار أسلوبًا في الكتابة يختلف عن السائد مزج فيه بين وضوح الفكرة والتعبير عن رؤاه أقل عدد ممكن من الكلمات، ولكن بمصداقية فكرية في مواجهة الظلام والتخلف عجزت عنها بعض الأقلام التي ظلت مجرد صدى في بئر لا قعر لها.

سالم الكبتي (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط