بوكليب يبحث عن ذاكرته المفقودة في «الحكايا الخمس»

نظِّمت الجمعية الليبية للآداب والفنون، الثلاثاء، بدار الفقيه حسن أمسية للكاتب جمعة بوكليب ألقى خلالها مختارات من مجموعاته القصصية.

واستهل بوكليب أولى سردياته بنصوص قصيرة تحت عنوان «مناكفات الربع الأخير» مكونة من حكايتين «لاتلعب بالنار» و«خالي قضية» يشخص فيها الكاتب نوازع الغربة وشواغر الذاكرة في الغرب اللندني، وهو يحاول في تواصله مع ذاكرته الاستمرار في فهم معنى الحياة بلون التجربة وصياغتها في قالب وجداني عميق.

ويقول في الحكاية الأولى معززًا خبرته تلك: «بدأت تتعلم تدريجيًا أن حروق لهب النار الموقدة في أحيان كثيرة، أقل ألمًا وضررًا من حروق نيران أخرى» ثم في مقطع من الحكاية الثانية: «تراكم مخزونك من التجارب والانكسارات خشن من طراوة جلدك وسيج منافذ روحك فصرت قادرًا على تجاهل أمواج التداعيات في قلبك».

وألقي جمعة بوكليب في محطته الثانية بالأمسية مختارات قصصية ضمها عنوان «خمس حكايات من طرابلس وعنها»، تناول فيها رؤية القادم إلى طرابلس بعد طول اغتراب، واقتفاء أثر الماضي الذي طالته عوامل التغير، وإيجاد سبيل لإدراك معنى وأوجه هذا التحول الرهيب في المدينة وشوارعها وأسواقها وأزقتها وحواريها ومعالمها.

ولا يجد بديلًا عن وصفه بالقول في أحد حكاياته «بدلًا من تلك الصغيرة المضمومة كمشموم فل، ظهرت أخرى تمددت في الأرض بشكل سرطاني، حتى غدت غابة إسمنتية معدومة السمات معماريًّا وحضاريًّا».

ويقف بوكليب عند هذه الحكايات مسائلا ذاته المسكونة بالقلق عن معالم مدينة السرايا المخزنة في ذاكرة الطفولة متخيلًا كما لو أن الكاتب الإيطالي كالفينو أمامه، قائلًا في المحطة الثانية من المجموعة «ماذا لو أن الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو زار طرابلس ودون تلك الزيارة في كتابه (مدن غير مرئية)».

ويضيف في مقطع آخر وبأسلوب تهكمي ساخر الرافض لفوضى التحول مخاطبًا كالفينو، قائلًا «ماذا لوعلم كالفينو أن طرابلس متميزة عن غيرها من مدن الدنيا بكونها تاريخيًا المدينة الوحيدة عل سطح كوكبنا الأرضي التي حكمها (قهواجي) طيلة أحد عشر يوما؟».

وتناول جمعة بوكليب إضافة إلى ذلك ملامح طرابلس في مخيلته قبل وفي أثناء تجربته السجنية، وكيف تحولت المدينة التي لايطيق صخبها فترة الشباب، إلى فردوس مفقود بعد دخوله السجن متيمًا بكل تفاصيلها تائقًا إلى عناقها، إلا أن هذا الحلم تكسر على مجداف الواقع بعد عشر سنوات بين القضبان ليجدها مدينة غير التي تركها، واجمة وقاتمة فيبحث عن نافذة للخروج.

وحول تجربته الجديدة في الرواية، ألقى بوكليب فصل من عمل له بعنوان «نهارات لندنية» هي أشبه بأدب السيرة الذاتية يضمن فيها جزءًا من مغامرته الاغترابية بمدينة الضباب، يلاحق خلالها أسئلة الغياب ويراجع في المقابل فصول تاريخه الواقع بين زمنين زمن الطفولة وزمن الرحيل قائلًا، فيما يبدو اعترافًا «شيء ما تيقظ في داخلي كنبع قديم، غطته رمال الوقت، وفجأة اشرأب بعنقه من وسط الرمال وفجر في داخلي نوافير الذكريات».

المزيد من بوابة الوسط