قهوة سي عقيلة (1)

ذاكرة بنغازي من 1953 إلى2017: في 27/12/1969 وصل الرئيس جمال عبد الناصر رفقة معمر القذافي في زيارة كانت تاريخية إلى بنغازي. كنت، يومها، أمام قهوة سي عقيلة. عند الضحى تعالت الهتافات، التفتُ مع الناس نحو الشرق، في اتجاه الفندق البلدي. نهض القاعدون منذ الصباح الباكر على ناصيتي شارع عمرو بن العاص، تدفق الناس من الشوارع الفرعية يغذون الحشد. عند باب المقهى الجانبي المفتوح على ناصية شارع نبوس كان هناك خروفٌ، وثقت قوائم. كلما تعالت الهتافات تطاولت الأعناق مشرئبة نحو الشرق لعلها ترى الركب. دخلت القهوة، كان سي عقيلة مسترخياً، غافياً فوق مقعد بجوفها. سألته لم لا يخرج ليرى موكب جمال عبد الناصر؟

أجابني كعادته ساخراً، ومن دون أن يلتفت نحوي: «من أمام هذه القهوة - يا حميدا عقيلة - مرّ (جرسياني) وعمر المختار والملك إدريس، وولي عهده المحبوب، وبن بيلا، و بورقيبه، ومحمد عبدالوهاب، وأم كلثوم، وشكوكو، وفريد شوقي وكلاي. شارع عمرو بن العاص مفتوح من الجانبين، تماماً مثل الدنيا ندخلها من جانب ونغادرها من آخر، لا شيء يبقى فيها إلاّ الذكرى الطيبة والعمل الصالح ».

وهاجت الجماهير، والتقط محمد خليفة الترهوني الخروف، يساعده عوض بلقاسم الطريدي، ورفعه فوق الرؤوس لينحره المرحوم عوض حميدان شمام.

كل الذي رأيته هو أن السيد الرئيس جمال عبد الناصر بقامته الشامخة وابتسامته العذبة يحيي الجماهير رافعاً يد معمر. في ذلك اليوم رفعت الجماهير العربة التي تقل الزعيمين من فوق الأرض، وبعد 17 سنة ، يوم7/2/1987، قام نظام القذافي بإعدام ستة شباب في مجمع سليمان الضراط في بنغازي من بينهم ناصر- سعد- خليفة الترهوني شقيق محمد الذي رفع الخروف فوق رؤوس الجماهير مرحباً بالقذافي وضيفه.

طوال السنوات الثلاث الماضية ترددت بطولات شارع عمرو بن العاص، وشارع نبوس تحديداً. وطوال هذه السنوات ألملم ذاكرتي وأستعين بالرفاق لأكتب سيرتي وسيرة جيلي من مقهي «سى عقيلة»، الذي افتتحه عمه عبد القادر سنة 1939، تاريخ وعي ابتدأ منذ سنة 1951 ومازال مستمراً، سوف أقص عليكم ما حدث..
ما ابتدأ من قهوة سي عقيلة، وما انتهى فيها. سوف أتحدث عن رفاق الطفولة والصبا الذين شاركوني ماذا حدث وماذا تعلمنا، قبل المدارس والجامعات، في قهوة سي عقيلة، من دون أن أسهو أن ما أكتبه هو سيرتي الذاتية يعني شهادتي. والشهادة هي لله. قد تكون بعض الأسماء قد سقطت سهواً، ولذلك هذه الحلقات بمثابة دعوة لتصحيحي، لأن كتاباً سيجمعها ويصبح شئنا أم أبينا مرجعاً لجزء من تاريخ بنغازي.

  الحلقة الأولى: استقلال ليبيا وتداعيات ثورة يوليو 1952  

أخي وصديقي..

القاهرة في 24/11/2014، عدت يا صديقي إلى القاهرة، مغمور بالهدوء والهناء والسكينة والبهجة والحب. لقد أمضيت عشرة أيام رائعة في بيروت، استمتعت خلالها مثلما لم أستمتع من قبل، لم أكن أتصور أنه بمقدور المرء أن يبتهج ويستمتع بالأكل والماء والموسيقى فقط. أتذكر أنني حدثتك عن (الميوزك هول)؛ قلت لك إنه كمدرج روماني، ملتف حول مسرح كبير جيد الإضاءة. والمدرجات ذات فسح مناسبة لمجموعات تلتف حول منضاد تأكل وتشرب وتنتشئ. وترتفع ستارة المسرح عند الساعة العاشرة، وتتواصل عروض موسيقية من ثقافات العالم كله؛ من أم كلثوم إلى (موتزات)، و(هندل)، إلى (جيمس لاست) ثم (ياني)، وتعود إلى الدبكة اللبنانية، وصباح، وعزيزه جلال، وفيروز خليط من الموسيقى العالمية، ولا يشعر الرواد أبداً بمرور الوقت حتى يعلن المذيع عن شكرهم على حسن المشاهدة والاستماع؛ عندها تنتبه أن البحر الأبيض المتوسط على يمينك مباشرة وأن أفقه بدأ يشرق بخجل.

تصور، يا صديق، أننا شاهدنا العرض مرتين، ومهما قلت لك لا أستطيع أن أصف متعتي بالعرض والأطباق الجيدة والمياه المعدنية. ستظل هذه الأيام العشرة من أفضل الإجازات التي قضيتها في حياتي طول السبعين عاماً التي مرقت في غفلة مني.

طفنا بشارع الحمراء على مكتبات بيروت، وانتقينا مجموعة من الكتب، زرنا مغارة (جعيتر)، مرحنا بالجبل، استمتعنا بالأطباق اللبنانية الفواحة برائحة الزعتر البري وزيت الزيتون، ودبس الرمان. أنا لا أدرى، يا صديقي، لمَ لم أنتبه إلى روعة المطبخ اللبناني من قبل؟

لم أستكن طوال حياتي مثلما استكنت هذه الأيام. وعدت إلى القاهرة، التي ما خبا ولهيِ بها. ما زلت من دون عمل يشغلني، ولذلك قررت أن أكتب إليك بتواصل الأيام القادمة.

اليوم جمعة، لا تزدحم شوارع القاهرة. من بعد صلاة الظهر ذهبنا إلى باب زويلة، هناك محلات تبيع، فنون حرانيه المطرزة وتحفاً فرعونية، ومصنوعات خشبية. كنا نحتاج إلى قصعة للبازين! وأصص زهور. ابتعنا حاجتنا، وكنا نحتاج أيضاً إلى شمسية لشرفتنا ولكنها لم تكن متوافرة، فاقترح صاحب المحل أن يبعثها لنا فيما بعد.

وعدنا عبر عابدين نحو محطة المترو. وفيما كنا ننتظر القاطرة، لمحت اسم المحطة، فدندنت أغنية انتشرت بمصر حتى وصلتنا في ليبيا من بعد ثورة 23 يوليو1952 : «يا محمد يا نجيب يا حتة سكره». فتغنينا بها عندما كنا أطفالاً.

لا أعتقد - يا صديقي- أنني حدثتك من قبل عن سنوات وعيّ المبكرة، وإلاّ لكنت قد حدثتك عن السيد كمال الدين حسين، عضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو، ووزير التعليم، الذي زار بنغازي سنة 1953م ليفتتح المركز الثقافي المصري. لقد احتفى به رجال بنغازي منهم المرحوم خليفة الترهوني، الذي كان مأخوذاً بثورة مصر حتى إنه أطلق أسماء مجلس قيادتها على أبنائه، وما كنا نعرف أن الاسم الرسمي لابنه الشهيد ناصر هو سعد، الذي أعدمه نظام القذافي في 12فبراير 87 19 مع الشهداء، الذين أعدموا أحمد مصباح أحد زبانيته،. فلقد سماه والده عبدالناصر، ولم ينتبه أحد أن نتيجة خطأ سُجل رسمياً سعد إلاّ فيما بعد.

لقد أقام المرحوم خليفة الترهوني على شرف الوفد المصري، مأدبة غداء بمطعم الفردوس الشهير في ذلك الوقت، لعلك تتذكره: كان لا يفصله على مبني جامعة بنغازي، سوى شارع يصل شارع الاستقلال بكورنيش (القبطناريه).. في المكان الذي شيدت فوقه عمارة كانون.

لقد أخذني ابنه محمد، رفيق صبايا معه، وكان يحدثني عن الضيف، بإعتباره شخصية قوية مشهورة، فهو أحد الذين فجروا ثورة 23 يوليو. كدتُ، لسذاجتي، أن أسأله حينها أيهما أكثر شهرة في مصر: هو أم محمد الكحلاوي؟

السيد الوزير أهدى المدعوين مجموعة قمصان للصبية، مزدانة بصور دبابات وطائرات

السيد الوزير أهدى المدعوين مجموعة قمصان للصبية، مزدانة بصور دبابات وطائرات، وأيضاً رسم لوجه رئيس الجمهورية، آنذاك، المرحوم محمد نجيب. عاد المرحوم عوض شمام، باعتباره أحد ضيوف ذلك الحفل، فهو صهر السيد خليفة الترهوني، بثلاثة من هذه القمصان، اثنين لابنيه محمود والمرحوم محمد والثالث أعطاه لي. ما زلت أذكر ذلك القميص، ترابي اللون صيفي الخامة والتفصيل، والذي ظللت طويلاً أتباهى به. وكثيراً ما غنينا أغنية: «يا محمد يا نجيب يا حتة سكره ..»، التي كنا نسمعها تقريباً كل يوم.

كانت النقود الليبية قد وصلت وتداولت في تلك الأيام، أما قبلها فكانت العملة المصرية المعدنية هي المتداولة، وأتذكر أن الملاليم المصرية تمكنك من شراء حلوة الديك، أو (مقروض) من محل اليهودي الكائن بشارع سيدي على الوحيشي، أما القرش المخروم والآخر المزدان برأس الملك فاروق فهو ثروة لا نراها إلاّ في الأعياد.

ذلك يعني أن مرحلة الوعي بدأت عندي العام 1953، أو قبله بسنة أو اثنتين، وهما سنوات كتّاب جامع سيدي محمد بشارع نبوس، ولقد تذكرت في الحال الفقيه الأمين، الذي كان يسكن بشارع محمد موسى قريباً من بيتنا وبيت صهره الأستاذ صلاح الإسكندراني والد رفعت، وأيضاً رأفت، زميل دراستي الابتدائية بمدرسة الأمير حيث كان الأستاذ صلاح أحد أساتذتها ثم أصبح ناظراً لمدرسة شارع المهدوي. كان الفقيه الأمين ضمن الذين ازدحمت بهم ( مربوعة) بيتنا بشارع محمد موسى مساء ذلك اليوم الذي لا أستطيع أن أحدد تاريخه على وجه الدقة، وإن كنت أذكر صباحه جيداً:

كانت الزغاريد تأتيني كحلم، وإن لم توقظني من سباتي. ولكن عندما تشبعت الدار برائحة سكر الشاي المحروق فوق جمر الكانون، واختلطت بزيت (المرون) المُعد من مسحوق القرنفل المعجون بالحناء وعطر (البارازيتا) النفاذ، ضاقت أنفاسي فصحوت منزعجاً، وقعدتُ مذهولاً في فراشي، عند ركن الغرفة الشرقي. كانت الدار مكتظة بالنساء، المدججات بعقود وأقراط الفضة الكبيرة، وبالقليل من أساور الذهب الرقيقة. ولمحت عبر الباب أطفالاً بفناء المنزل المفتوح مباشرة على السماء، وتتبعت دخان الحطب الذي لم يلتهب تماماً في المنصب، وفيما كنت مأخوذاً بالزحام، محاولاً تفهم سببه، هجمت النساء علىّ وشرعن في ضمي وتقبيلي، فقمت هارباً من عطورهن النفاذة المخلوطة بالعرق. انطلقتٌ كقذيفة نحو الشارع. عند الباب ارتطمتٌ بجارتنا اليونانية (ماريا)، التي كثيراً ما تبعثني لقضاء حاجة لها. جلست أمامي وطوقتني بذراعيها فلم أشم لا رائحة القرنفل، ولا رائحة العرق، تمنيت أن يطول التصاق خدي بصدرها الدافئ الناعم.

قالت:- «مبروك (دوقاق) مبروك (خورونيا بولا) دوقاق!! «وأعطتني ورقة نقدية بنفسجية اللون: - «خمسين قرش .. واو!! «كذلك هتفت في سري. ذهلت. رفعت رأسي من فوق صدرها. نسيت طراوته. لا أذكر أنني أمسكت مثل هذه الثروة في حياتي، التي لا أعلم على وجه الدقة كم قيمتها ذلك اليوم؟. قبلتني ثم ولَجَتْ بيتنا، وتركتني حائراً أمام الباب.

شاهد ابن عمي أبوبكر عكيز الثروة التي هبطت علىّ. اقترب مني، محتفظاً بقبضته اليمنى في جيب بنطاله، الذي كان واسع الرجلين، الذي انتبهت أن أخاه الكبير علي الموظف في الأشغال العامة كان يرتدي مثله طوال الوقت. قال لي بنبرة العارف:
- «(ماريا ) لا تعرف عاداتنا». ثم مال برأسه ماطاً شفتيه: «نصرانية! الفلوس تُعطى بعد (الطهارة) وليس قبلها».
- «طهارة؟!» قلت متسائلاً:
- «اليوم طهارة .. ألاّ تعرف ذلك؟».
- «أعرف!» أجبته متفاخراً. أطرق برهة، ثم أخرج قبضته من جيبه. حك رأسه ثم قال:
- «أتعرف ماذا سيفعلون بك؟ «
- «نعم! أخبرتني أمي أنها سوف تلبسني جلبابي الأبيض الجديد المرسومة فوقه نجمة سيدنا سليمان، ثم يضع لي الناس نقوداً كثيرة في جيبه الكبير ..» قاطعني:
- «صح؛ ولكن بعدما يقطعون جزءاً (روحك) .. «غمرتني قشعريرة مرعبة، انكمشت معها روحي! سألته:
- «( ليش؟)» مط شفتيه، ومال برأسه:
- «(هكي) ..» ثم استطرد: «لتصبح مسلماً» سألته:
- «واعره؟»
- «واجد .. خصوصاً ثاني يوم، عندما تتبول». التفتٌ نحو باب بيتنا. هممت بالذهاب إلى أمي لتنقذني من هذه الورطة. استوقفني:
- «إلى أين؟» لم أستطع أن أبوح له بما نويت، وإنما قلت له:
- «لم أشرب شاي بالحليب».. إن دخلت لن يتركوك تخرج. احترت. تمكن الرعبُ مني. رأيت فيه طوق نجاتي، فسألته مستنجداً:
- «وماذا أفعل؟»
- «نهرب!».
- «إلى أين؟»

أطرق صامتاً، ثم أجابني: - «إلى الفندق البلدي ، إنه بعيد ولن يخطر ببالهم أننا هناك. سوف نمضي اليوم بطوله، ونعود في الليل، فلا يستطيع (الطهار) أن يقوم بعمله على ضوء (فتيلة الجاز) فيلغون الطهارة».

انطلقت معه، نحو الفندق البلدي الذي لم أره من قبل. هناك انبهرت بالزحام، وصراخ الباعة، والعربات التي تجرها البغال والحمير

انطلقت معه، نحو الفندق البلدي الذي لم أره من قبل. هناك انبهرت بالزحام، وصراخ الباعة، والعربات التي تجرها البغال والحمير. وتعجبت من كميات البرتقال، والجزر الطازج. وتلال البقول، والقمح، والشعير. غير أن أكثر ما أثارني هو ذلك الزنجي، ورفيقه مبتور الذراع ، ومهارته في خلط ورقات اللعب الثلاثة. كانت ورقتين مصور بهما الفتاتان الملونتان بالأحمر (الكبي والديناري)، أما الثالثة فللفتاة الملونة بالأسود (البسطون) كان يرميها أمامك وترى بأم عينيك أين رمي الفتاة السوداء ويطلب رهانك عليها كأن تضع قرشاً فيعود لك قرشين! وإن لم تكن الفتاة السوداء يضيع القرش، وكنت متأكداً أنها السوداء ولكن بعدما وضعت نصف القرش؛ كانت إحدى الحمراوين! أخذتني اللعبة وكدت أن أعيد الكرة، لولا أن أبوبكر منعني بقوة، مما جعل الرجل الأقطع يقف له، ويصرخ في وجهه:

- «أيش دخلك؟ ما شأنك أنت إنه رجل ويقرر ما يريد» ولوح له بيده قائلاً: «امشي من هنا» غير أن أبوبكر سحبني بيد بعدما أمسك بالأخرى سيخ حديد متوعداً الأقطع، وابتعدنا.
- «صياع» قال أبوبكر .. العجيب أنني بعد أكثر من أربعين عاماً التقيت الأقطع وعملنا معاً في صيد السمك وذكرته بذلك اليوم. فأكد لي أنني مخطئ! ولكنني لم أكن كذلك.
بعد الظهر مباشرة، صمت رنين جيبي! نفذت الخمسون قرشاً. عدنا. ما أن شاهدني الصبية عند ناصية الشارع، حتى انطلقوا كالشرر نحو البيت مهللين:
- «أهو جاء .. أهو جاء» خرج أحد أقاربنا مشمراً ذراعي قميصه حتى مرفقيه، والتصق أبوبكر بالجدار المقابل هرباً من عيني قريبنا المتقدتين غضـــباً وتوعداً. رفعني عمي، راسماً ابتسامة صفراء، وقال لي مداهناً:
- «قلقنا عليك؟ أين ذهبت؟»
- «إلى الفندق».

كان أبي وعدد من الرجال محتشدين في السقيفة. أما عثمان الذي كان يعمل مع والدي في القهوة، كان وكأنه يبكي. وفيما كان عمي ممسكاً بي ألبسني أبي الجلباب الأبيض المزدان بنجمة سيدنا سليمان، العابق بروائح القرنفل والحناء، والمشبوكة به (خميسه وقرين) ثم رفعني عمي، وسحب والدي سروالي؛ ثم دخل بي (مربوعة الضيوف)، التي كانت مكتظة برجال أعرف معظمهم، وكان الفقيه الأمين يتصدرهم .

عند إناء الزنك - أعني (الليان) - الذي نغتسل فيه. أنزلني عمي من فوق كتفي يداه بحركة سريعة، ثم أدخلهما تحت إبطي، ليدخلهما مجدداً مــن خلف ركبتي وأمسك بساقي من الأمام وباعدهما، ثم جلس بي، فصرت معلقاً فوق (الليان) نظرت إليه من فوق فرأيت في منتصفه ربوة رمل، كتـلك التي تعدها أمي لقطتنا لتتبرز عليها. عند حافة الإناء المقابلة رأيت مقصاً أسود، كانت أمي تسمى مثيله (جلمْ). وعندما رفعت عيني التقت بعينين مكسورتين لرجل رفيع كمسمار شوهه الصدأ، شاربه الكثيف زاد من ضآلة أنفه المدبب. أمسك (روحي) - كما كنا نسمي عضونا في ذلك الوقت - ثم ابتسم لي بخبث، فكرهتٌ أسنانه المصفرة القبيحة. قال الرجل المسمار لأبي، وهو يدعك قلفة روحي: «بيتكم دخلته البركة. الرسول صلي الله عليه وسلم، أرسل لكم (أم بسيسي) لتبني عشها فيه. انظر إلى العش إنه هناك..»، وأشار خلفي إلى حافة السقف، فالتفت إلى حيث أشار، وبغتة سمعت (الجلم) يجتز (روحي) وأحسست بالدم يتدفق ساخناً.. وانطلــقت النـــار حـــارة بيـــــــن فخذي. صرخت. ثم اختنقت، فلا أدرى من حشر بيضة مسلوقة كاملة في فمي. حررني عمي، هممت بالوقوف – وأنا أولول – متطلعاً يميناً ويساراً، باحثاً عن أي شيء أقذف به الرجل المسمار، ولو لم يتوال سقوط القطع النقدية، المسكوكة برأس سيدي إدريس، وأوراق الخمسة قروش الوردية، والعشرة الخضراء لخرجت إلى الشارع باحثاً عن حجر أشج به رأسه القبيح. عندما تسلمتني أمي ارتفعت الزغاريد، ونٌقرت الدفوف. ثم شرعت أمي تردد أغنية طوال اليوم حتى حفظتها، وإن لم أفهمها في حينها:

- «طهارك نعولوا فيه والعقبة للفرحة التامة ..». بعد ربع قرن تزوجت، فتحققت فرحتها الثانية، ولكن الثالثة لم تتحقق لأن حفيدها خرجوا به من المستشفى (مْطهر) من دون دفوف، ولا زغاريد!
لقد تذكرت ذلك كله، يا صديقي،، كما لو أنه حدث يوم أمس على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود ونصف عن ذلك اليوم، ثم انتبهت أن معظم جيل هذا الوقت لا يعرف شيئاً عن تلك الأعراس التي كانت تقام بمناسبة الختان، الذي تتفاوت فخامتها بحسب أحوال الأسرة المادية، والتي كانت تضاهي فخامة حفلات الزواج، باعتبار أنها – كما يعتقد البعض – فريضة دينية، وجد فيها مجتمعنا الذكوري مناسبة للتباهي بالذَكر باعتبار أنه من سيحمل اسم رب العائلة.

ولكن الآن فقط، من بعد تجربتي المريرة، عرفت المعنى الحقيقي لاحتفالات الطهور. إنها احتفالات تهيئة الذكر ليأخذ مكانه في عالم الذكور، والإناث أيضاً، إذ ترتفع مكانته ويصير ديك، مع الديوك، وتنسحب من أمامه الدجاجات، ويؤذن لها من بعيد فتأتي إليه مهرولة، يمتطيها ثم يدفعها بعيدا عنه، ويا ويلها إن اشتكت. الآن يا صديقي، عرفت كم مجتمعنا ذكوري جداً. وانتبهت لأهمية احتفالات الختان، التي ليست فرضاً على الإطلاق.

أبي وجد ليلة طهوري مناسبة تذكره بليلة عرسه. فحلق رأسه، وهذب شنبه، وتحلق مع أصحابه في دكان سيدي السنوسي الكائن في مدخل شارع محمد موسى، خلف سينما النهضة مباشرة. كانوا يتمازحون ويتضاحكون، وأحيانا ترتفع حنجرة احدهم بغناوة علمْ شجية. وعندما جُهز العشاء، جاء أبوبكر الذي أخذ لهم قصعة الرز المغروس في منتصفها الفلفل الأخضر، والمرصوص فوقها (المصارين) و(العصبان) واللحم الضأني، الذي يأكله عامة الناس في ذلك الوقت أيام الجمع فقط، أما كوبي (المصير) فقد جاء بهما صديقي (المصدي) . وعندها مر الأعرج (بوصطيفا) الذي كان يتعيش من حراسة الدراجات أمام سينما النهضة، ويسكن في دكان أمام منزلنا مباشرة، وكان كما علمت بعد سنوات، ماهر في اصطياد الغلمان من أمام السينما، ويأخذهم إلى دكانه، ويقفله من الداخل. دعاه والدي بإصرار أن يشاركهم وليمتهم، بل خرج إليه وأحضره عنوة من ذراعه إلى الدكان، وأخذوا يمازحونه: سيدي أسعيد الحوات، وسيدي السنوسي صاحب دكان، وسيدي عبد الواحد صنع الله صاحب المقهى. وفيما هم يتمازحون سأل والدي سيدي اسعيد، أحد رياس رصيف صيادي الأسماك:

- «ماذا بمقدور (حكية) كيلوجرام (جولاطينا) أن تدمر؟».
- علبة الطماطم المعجون الصغيرة ، ( امتاع ) 500 جرام ممتلئة بالديناميت تهدّ بيتك يا فالح، فما بالك بعلبة كيلوجرام ؟ «عندها التفت والدي نحو ( بوصطيفا ) الذي كان يهم بقضم المصران المحمر، وقال له بصرامة لم يتوقعها:

- «ورأس أمك و(بوك) ، الذي أشك أنك تعرفه، سوف أضع لك (حكية كيلو) تحت سريرك بمجرد أن تنتهي من زجاجة (البوخة) التي تشربها كل ليلة مع أصحابك (العساكر سوسة ) لو اقتربت من الدقاق أو المصدي!». أرجأ (بوصطيفا) قضم المصران، وأجاب والدي منزعجاً: - «عيب يا سي عقيلة، معقولة أنهما كأطفالي» طبطب والدي على كتفه وقال له: - «أهو أنا نبهتك والسلام ..» ثم اتلفت نحو سيدي السنوسي قائلاً: «صبّ .. عطّشتنا ، الحمد لله أنك لست وراد الشارع». تدخل سيدي سعيد وقال: «أتعرفوا أن المصريين يسمون الوراد بالسقا؟». لم أفهم تماماً حينها ما حدث، ولكن سريعاً ما وضح أبوبكر الأمر لي وللمصدي.

وما زلت أتذكر رائحة شعر أمي، تلك الرائحة التي منحتني تلك الليلة الطمأنينة، من بعد مغرب مرعب عصيب، أنقذني منه سي عقيلة بعدما عاد لي بها من بيت اقربائنا في شارع مصراته. كانت (وافيه) قد ذهبت إلى «حوش عكيز»، وتركتني مع جدتي؛ ثم سمعنا صراخاً وهراجاً مرعباً، تلصصت جدتي من خلف الباب الموارب، ومن عند ساقها مددت رأسي لأرى شارع محمد موسى ممتلئاً برجال غاضبين يقذفون عربات البوليس بالحجارة، وهم يهتفون: «يا ساقزلي .. غير الليلة!» لم أفهم شيئاً، ولكن الصراخ والشارع الصاخب أرعبني، وأحسست أن شيئاً خطيراً وشيك الوقوع، وخفت .. ولم أهدأ إلاّ بعدما جاء سي عقيلة وبرفقته أمي، طوقتني منزعجة، إلى أن نمت مغموراً برائحة (المرون) الذي يغمر شعرها. عرفت، فيما بعد، أنها أول مظاهرة في تاريخ بنغازي، اندلعت سنة 1951م! سوف نتناولها لاحقاً.

نقلًا عن جريدة «الوسط» الأسبوعية الصادرة الخميس

المزيد من بوابة الوسط