Atwasat

حكمة سياسة فرض الأمر الواقع

سالم العوكلي الأحد 10 أبريل 2016, 12:00 مساء
سالم العوكلي

رغم ما حملته انتفاضة فبراير؛ التي هي جزء من الربيع العربي، من أهداف توافق عليها الحراك، إلا أن واعزها الأساسي وحافزها كان التمرد على (سلطة فرض الأمر الواقع) التي اختزلها القذافي في قولة أكثر من مرة "لقد وصلت إلى السلطة عبر القوة ومن يريدها فليأخذها عبر القوة"، وبدأت هذه السياسة منذ إعلانه النقاط الخمس كفرض للأمر الواقع تجاه بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين كانوا يطالبون بنقل السلطة إلى القوى المدنية عبر الانتخابات، ثم إعلانه لسلطة الشعب تطبيقا لنظريته الثالثة التي طرحها ونفذها كأمر واقع ضد من يطالبون بإصلاحات ديمقراطية وبعودة العسكر إلى ثكناتهم.

وهكذا عشنا في ليبيا تحت سلطة هذا الأمر الواقع التي جعلت الليبيين يسلمون بها في النهاية، وبالتوريث فيما بعد كفرض لواقع جديد بدأ يعلن عن نفسه في المنطقة كلها.

مع بداية الربيع العربي ومن ثم انتقاله إلى ليبيا عبر هتاف جديد على الشارع: الشعب يريد إسقاط النظام، بدأ فعلا ما يمكن أن يسمى رغبة شعبية حقيقية للتخلص من دكتاتورية فرضتها سياسة الأمر الواقع، وبدأ الليبيون يحلمون للمرة الأولى بأنهم هم من سيشاركون في صياغة الواقع الجديد، وتحقق هذا في أول انتخابات حرة نزيهة للسلطة التشريعية ومن ثم لجنة صياغة الدستور، لكن الدكتاتورية حين تكون متمترسة في الكثير من الرؤوس؛ مثل الجرثومة التي تمر بفترة سكون ثم تنشط مع الظروف الملائمة، ما لبثت أن عبرت عن نفسها من جديد مع المراوغات التي قام بها بعض أعضاء المؤتمر الوطني حين اقتربت نهاية ولايته، وإذا فرض عليه عبر الشارع التجهيز لانتخابات مجلس النواب إلا أنه سرعان ما انقلب التيار المسيطر على المؤتمر والمعبر عنه بمجموعات الإسلام السياسي؛ بما فيها أجنحتها العسكرية وتجلياتها المتطرفة، لتبدأ انقلابا مسلحا أطلقت على عملياته المسلحة تسميات دينية وكأن الطرف الآخر وثني أو كافر، لتحتل العاصمة ومرافقها الحيوية بمساعدة دول إقليمية مثلما فعل الحوثيون في اليمن حين احتلوا صنعاء وذهبوا إلى عدن في الجنوب بمساعدة إيران وانقلبوا على المسار الديمقراطي وعلى مخرجات الحوار الوطني.

المطالبون بانفصال إقليم برقة لا تتجاوز نسبتهم العشرة في المائة وبعد هذه الخطوات الإقصائية الأخيرة التي تهمش شرق وجنوب الوطن لن أبالغ إذا ما قلت أن النسبة في ليلة واحدة تحولت إلى 90%

ومن هنا بدأ المتشبثون بالسلطة، والمصابون بجرثومة القذافي، في سياسة فرض الأمر الواقع التي تعني: سأستولي على الأرض بالقوة وأقايضك سياسيا، أو بمعنى آخر وفق مقولة القذافي الدارجة: وصلتُ إلى السلطة بالقوة ومن يريدها عليه أن يأخذها بالقوة.

بعد ثلاثة أعوام من الحرب الأهلية، ومن استباحة الدم الليبي، وصل الحوار برعاية منظمة الأمم المتحدة إلى نوع من التوافق الممكن وإن لم يكن المثالي كما يطالب به المتشددون في الغرب والشرق، ولكن البرلمان الضعيف؛ الذي كان حريا به أن يكون على رأس قيادة هذا التوافق والمصالحة، بالحكمة والتسامح والعقلانية، عجز عن عقد جلسة يجيز فيها تشكيلة حكومة التوافق أو يرفضها بشكل ديمقراطي، وظهرت في داخله كتلة متشددة ومتشبثة بالسلطة مثل تلك الكتلة التي ظهرت في المؤتمر الوطني وأدت في النهاية إلى انقسام ليبيا جغرافيا وعلى مستوى جميع المؤسسات السيادية، ووصل الأمر بمن تشبث بشرعية المؤتمر الوطني المزيفة إلى أن يرسلوا أسلحة وقتلة إلى بنغازي لدعم الجماعات المتطرفة التي يحاربها العالم أجمع بحجة أنهم الثوار، فأي ثوار هؤلاء الذين يضعون حقائب متفجرة كافية لتفجير برج التجارة العالمي في مطابخ ربات البيوت ببنغازي، تلك المطابخ التي كانت تعد الوجبات لمقاتلي الجبهة إبان انتفاضة فبراير من أجل الثوار الحقيقيين الذين تخلوا بعد سقوط النظام عن أسلحتهم واندمجوا في مجتمعهم حسب تخصصاتهم السابقة، أما من تشبث بالسلاح بعد سقوط النظام والانتخابات فهو لا يمت للثورة ولا للخجل الثوري بصفة، بل هم صناع سياسة فرض الأمر الواقع التي مارسها النظام السابق عن طريق لجانه الثورية المسلحة وفرق إعدامه التي كانت تقتل المعارضين في الداخل والخارج.

بعد هذه الفترة المرهقة التي أوصلت الليبيين للنزوح والجوع والإفلاس، وبعد أن رأوا الأمل في الجسم التوافقي الجديد الذي دخل طرابلس ولم يكن أمامه سوى اعتماده من مجلس النواب ليكون شرعياً، بعد كل ذلك يظهر من جديد شياطين فرض الأمر الواقع ليقوموا بمسرحية هزلية، حيث يجتمع قلة من بقايا المؤتمر الوطني المنتهية ولايته ويقومون بالتصويت على التعديل الدستوري، ثم يتحولون في دقائق إلى جسم جديد هو المجلس الأعلى للدولة في سابقة لا يمكن أن تحدث سوى في مشاهد ياسر العظمة الساخرة، وكان تحولهم في دقائق إلى جسم آخر شبيه بتحول الرجل الأخضر، أو الرجل العنكبوت، أو في أفضل الأحوال شبيه بتحول فيروس الإنفلونزا إلى فيروس إيبولا في ثوان، كما يحدث في مختبرات التلاعب بالجينات.

ربما كان المطالبون بانفصال إقليم برقة لا تتجاوز نسبتهم العشرة في المائة وبعد هذه الخطوات الإقصائية الأخيرة التي تهمش شرق وجنوب الوطن لن أبالغ إذا ما قلت أن النسبة في ليلة واحدة تحولت إلى 90%، وهذا ما يرعبني فعلا، لأنه يحقق أحلام قوى كثيرة كانت تسعى لتقسيم ليبيا منذ بداية حراك فبراير، بل وتضرب حجتنا نحن المدافعين عن وحدة ليبيا والمضادين للانفصال في مقتل، لأننا كنا نعتمد على أن طرابلس عاصمة كل الليبيين، لكن يبدو أن جماعة الأخوان وحلفاءهم يسعون لسرقة طرابلس من وجدانها الليبي ودورها التاريخي، ولعل التظاهرات التي تقوم في ميادين طرابلس المطالبة بمجلس النواب كسلطة شرعية وحيدة وبدعم الجيش الوطني، تثبت أن مسعى شياطين السياسة لا أرضية له ولا مستقبل.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»