جميعا نريده بلد بحجم أوطان وليس وطنا، نرغب فى تحول تاريخى له بعد ثورة أذهلت الكل فى هذا العالم، وكم كنا نتمنى أن نصبح فى مقدمة الصفوف دوليا، ونفتخر بأننا شعب 17 فبراير الذى قدم الدرس الأسطورى فى كفاح الشعوب المناضلة، وأسقط أكبر ديكتاتوريات التاريخ المعاصر. احترم الكثيرون تجربتنا النضالية بداية من عمر المختار، شيخ جهادنا، والملحمة التاريخية لأمتنا مرورا بنضال شعبنا ضد الديكتاتورية على مدى 42 عاما، وحتى ثورة المجد التى قدم فيها شعبنا ثمنا غاليا من دماء أبنائه الشرفاء على مذبحة الحرية والانعتاق.
كل هذا الديالوج يوجد فى الذاكرة، ولا يمكنه الخروج من ثناياها، لأنه تاريخ مرصع بذهب ودم وعرق ومنافٍ وسجون وإعدامات ومشانق لأحرار ليبيا، لكن الذى يجري فى المشهد اليوم قلّب المعادلة كثيرا، وحيرنا فى شؤون وطننا. لقد نسى الكثيرون دماء الشهداء، وهرولوا جميعا خلف المناصب والغنائم، ولم يتذكروا شيئا من تلك التضحيات الجسيمة. أصبحوا ينظرون فى مستوى أقدامهم فقط.
ضاعت الوطنية التى شيدنا عليها جسور وحدتنا الوطنية التى رفضنا من خلالها تمزيق وطننا، وضاع على القيصر المريض حلمه الكبير حينما اقتربت نهاية تمزيق ليبيا، شرقا وغربا. كانت طرابلس صرخة ثورة عاصمة أبدية لوطننا، وتلاشت طموحات الخونة والصعاليك أيضا فى تشتيت بلادنا.
لكن القتل المجانى والتفجير والاغتصاب والسرقات، والتعدى على الآمنين فى المدن والقرى، وعدم الانضباط مع شرعية الدولة التى جاء بها صندوق انتخابات نزيهة.. كل هذا يجعلنا أمام مفترق طرق خطير جدا، يمكنه أن يحول بلادنا لعراق آخر تحت كذبة الفوضى الخلاقة، أو صومال نصبح فيه دولة فاشلة.
نعم هناك أداء سياسى سيء، وليس فى مستوى تضحيات الثورة، ونعم ما زلنا نراوح حكوميا فى مناطق ضيقة سياسيا، لكن علينا أن نجتاز هذه المرحلة الاستثنائية الصعبة، ونرتفع لمستوى السقف الوطنى، وإلا بشفافية سنكون وطنا فى بطن ثور، كما يقولون، وهنا سنفقد أغلى محطة نضالية فى تاريخنا، وسنضيع على الأجيال القادمة الحياة الكريمة فى وطن قدموا الدم من أجله.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات