يشترط ابن خلدون العصبية القبلية لقيام الدولة، ولكنه لا يرى أن الدعوة الدينية شرط أساسي لقيام الدولة، وإنما هي رديف يساعد العصبية على قيام الدولة، لأنها تشكل الوازع الذي يمنع التنافس بين بطون القبيلة. كما تمنع استئثار إحدى هذه البطون بالسلطة. وبهذا، فابن خلدون هو أول علماني في تاريخ الإسلام، بمعنى أنه غلب العوامل الدنيوية على العوامل الدينية في بناء الدول، حتى أنه سخر من فكرة «المهدي المنتظر».
العصبية كلمة مذمومة قبل ابن خلدون، فهي تشير للتعصب القبلي الذي ذمه الإسلام، ولكن عند ابن خلدون فالعصبية تعني القوة التي تشد أركان القبيلة، مثل العصب الذي يشد المفاصل، وكلما كانت هذه العصبية قوية نجحت القبيلة في الوصول إلى السلطة، وإخضاع بقية القبائل وأهل المدن. وحتى تنجح في مهمتها تحتاج إلى دعوة دينية تقنع الآخرين بسمو مقصدها، ويرى ابن خلدون أن الدولة لا تقوم على مفهوم الحق والعدل، وإنما على مفهوم القوة والغلبة.
ويقسم ابن خلدون قيام وتطور الدولة وانهيارها بخمسة أطوار، وهي على التوالي: الظفر، والانفراد بالمجد، والفراغ والدعة، والقنوع والمسالمة، وأخيرا طور الإسراف والتبذير. وهذه الأطوار تحدث خلال ثلاثة أجيال: الجيل الأول والثاني يبنيان الدولة ويذودان عنها، بينما تنحصر مهمة الجيل الثالث في الهدم، أي أن الدول في عصر ابن خلدون مثل الإنسان الذي يمر بثلاثة أطوار قبل أن يموت، بينما استمرت الدول في مصر والعراق خلال الحضارة السومرية والبابلية مئات السنين. كما حكمت الأسر الصينية أكثر من 400 سنة قبل أن تنهار، لتحل محلها سلالة حاكمة جديدة، وبالتالي فإن نظرية ابن خلدون تنطبق فقط على الدول التي ظهرت في عصره، بعد سقوط دولة الموحدين، مثل المرينيين في المغرب، وبني عبد الواد في الجزائر، والحفصيين في تونس، ودولة المماليك في مصر التي عاش في ظلها بالسنوات الأربع والعشرين الأخيرة من حياته.
ليست هناك دولة دينية وفقا لنظرية ابن خلدون، وإنما شخصية قريشية من نسل الحسن أو الحسين بن علي، تلتف حولها قبيلة بدوية عربية أو أمازيغية، لتوصلها إلى السلطة، وإذا لم توجد هذه الشخصية فيمكن اختراعها، كما فعل المهدي بن تومرت، مؤسس دولة الموحدين، الذي ادعى أن نسبه يعود إلى علي بن أبي طالب، على الرغم من نسبه الأمازيغي الواضح، بينما لم يكن عبد الله بن ياسين الجزولي، وخليفته يوسف بن تاشفين، في حاجة إلى النسب القرشي، ومع ذلك أسسا دولة المرابطين.
وهذه الدول لم تستمر في السلطة أكثر من ثلاثة أجيال، أي 125 سنة، قبل انهيارها.
وتنطبق نظرية ابن خلدون حتى على دولة الخلفاء الراشدين، فعصبية قريش لعبت الدور الحاسم أكثر من التعاليم الإسلامية. ففي سقيفة بني ساعدة، برزت عصبية قريش على الرغم من تمنع الأنصار، حيث أصر أبوبكر وعمر على أن الخلافة في قريش قبل دفن النبي، عليه الصلاة والسلام، ولم يستشهدا بالقرآن أو السنة، ولم يقولا إن الرسول قال «إن الأئمة من قريش»، ولا قال «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان»، فهذان الحديثان ظهرا فيما بعد، ولا يعقل أن أقرب اثنين من الرسول، عليه الصلاة والسلام، لم يسمعا هذين الحديثين، ولكن حسم النزاع وفقا لما تعارفت عليه القبائل العربية.
وقد أكدت الأحداث لاحقا صحة اجتهاد أبي بكر وعمر، ففي حروب الردة لم يبق مع قريش إلا الأنصار وقبيلة ثقيف في الطائف، ومع ذلك تمكنت قريش بقوتها العسكرية من هزيمة جميع القبائل التي امتنعت عن دفع الزكاة، ونجح الأمويون في السطو على الخلافة بعصبية قريش، فعلي بن أبي طالب، الذي كان يملك الشرعية، تخلت عنه قريش، حتى أنه خرج من المدينة إلى الكوفة. وفي موقعة الحرة، هاجم الجيش الأموي المدينة وانتهكها، وتروي كتب التاريخ أن ألف امرأة من الأنصار حملن سفاحا يوم الحرة، وفشلت ثورة عبد الله بن الزبير على الرغم من قريشيته، لأنه كانت تنقصه العصبية القريشية.
اجتماع معظم المواطنين في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة المسلمين، باستثناء النساء والعبيد، يؤكد ديمقراطية دولة الخلفاء الراشدين وفقا للعصور الوسطى، فديمقراطية أثينا وروما كانت كذلك بالضبط. كان المفروض أن تتسع السقيفة لتكون قاعة كبيرة في كل المدن والأمصار، ولكنها ضاقت، حتى أصبحت لا تتسع إلا لأهل الحل والعقد، وحتى عندما اتسعت في القرن العشرين، ها هي تضم اليوم نوابا للشعب لا يساوون ثمن الحبر الذي غمس فيه الناخبون أصابعهم لانتخابهم، ويرفضون التنازل عن مقاعدهم على الرغم من انتهاء صلاحيتهم.
لو لم يبق الإمام محمد بن علي السنوسي في برقة، لما استقلت ليبيا موحدة، فهل كان السنوسي على علم بمقدمة ابن خلدون؟ فقد توفي في الجغبوب عام 1859، بينما أصدر المستشرق الفرنسي كاترمير المقدمة عام 1858، وقبل ذلك لم تكن المقدمة منتشرة ومتداولة، ومع ذلك أدرك السنوسي نظرية ابن خلدون، حتى وإن لم يكن على إطلاع عليها، من خلال معرفته الدقيقة بأحوال المغرب والمشرق. وبعد أن فشل في مكة ومصر، قفل عائدا غربا إلى بادية برقة، حيث أسس حركته وزواياه بالطريقة نفسها التي وصفها ابن خلدون، وتحاشى السنوسي بدهاء أي علاقة بالمدن الليبية، مثل بنغازي ودرنة، لأن المدن لم تكن في حاجة إليه، ولأنه يستحيل بناء عصبية في المدن.
ولولا الاستعمار الإيطالي والفرنسي، لنجح السنوسي وابنه المهدي، في بناء دولة تمتد من شمال تشاد وغرب السودان إلى برقة، ولكن هدفه الأخير كان ليبيا كلها وتونس، ووطنه الجزائر، الذي احتله الفرنسيون، والمغرب وموريتانيا، وربما مصر والشام والحجاز.
وفي عام 1951، قبل الليبيون أن يكون حفيده إدريس السنوسي ملكا عليهم، لأنه وفقا للتقسيم القبلي الليبي - السنوسي لا ينتمي إلى أي قبيلة، ونظرا لنسبه القرشي فهو فوق العصبية القبلية. كان من الممكن أن يكون الملك إدريس عصبية، تشمل الأسرة السنوسية، وقبيلة البراعصة التي استقبلت جده، وبنت له زاوية البيضاء، لولا اغتيال الشريف محيي الدين السنوسي ناظر الخاصة الملكية إبراهيم الشلحي عام 1954، وأيضا لعدم إنجاب الملك إدريس خليفة له، وهذا أدى إلى ضعف العصبية التي أسهمت في صنع النظام الملكي.
وفي الظلام، تكونت عصبية من صغار الضباط، معظمهم ينحدر من قبائل بدوية وريفية، تمكنوا في الأول من سبتمبر من الإطاحة بالنظام الملكي، وأعلنوا الجمهورية، وقبل أن يمر عقد واحد كان قائد الانقلاب قد تخلص من معظم من ساعده في انقلابه معتمدا على أبناء عمومته، وأبناء القبائل البدوية المتحالفة مع قبيلته، منذ ظهور ظاهرة الصفوف في غرب ليبيا. وبعد أكثر من أربعين عاما، كان على الليبيين الاختيار بين سيف الإسلام أو أخيه المعتصم القذافي.
سقطت كل الشعارات الأيديولوجية والكتاب الأخضر وسلطة الشعب وديموكراسي، وإذا هو حكم عائلي يورث كما كان يحدث في عصر ابن خلدون، واليوم على الليبيين أن يختاروا بين حكومة الفوضى في غرب البلاد، أو حكومة يحكمها جنرال وأولاده بعصبية قبلية، كما وصفها ابن خلدون.
هذه العصبية تجاوزها الزمن، وهي عصبية مدمرة، ولن تخرج ليبيا من أزمتها إلا إذا اخترع أبناؤها عصبية جديدة، محورها الدولة الوطنية التي تجمع الجميع، دولة المواطنة والمساواة بين جميع القبائل والأعراق، فقط لتحقيق أهم أهداف الدولة الحديثة من استقرار وأمان وتنمية، بغض النظر عن الديمقراطية والتعددية الحزبية وحقوق الإنسان، فهذه المطالب كانت ممكنة بعيد ثورة فبراير، أما الآن فهي صعبة المنال لشعب لا يزال معظمه يقدس العصبية القبلية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات