Atwasat

ماذا كشف لنا العوضي؟

عطية صالح الأوجلي الأحد 17 مايو 2026, 05:17 مساء
عطية صالح الأوجلي

في زمن يموت فيه الأطباء ويُنسون، بقي اسم ضياء العوضي يثير الجدل والمشاعر المتناقضة أينما حل. فمنذ وفاته، تابعت العديد من الفيديوهات التي أنتجها. لم أكن مريضًا، ولا أبحث عن وصفة سحرية بقدر ما كنت باحثًا عن إجابة عن سؤال محير: كيف استطاع رجل واحد، في أشهر قليلة، أن يخلق قاعدة جماهيرية تثق به أكثر من ثقتها في أي مؤسسة صحية رسمية؟ كيف استطاع رجل واحد أن يخلق جيشاً من المتابعين المستعدين لترك أدويتهم واتباع نظامه الغذائي؟ ولماذا استمعوا له؟
لماذا مريض السكري، على سبيل المثال، بعد سنوات من استخدام الأنسولين على استعداد لأن يقامر بحياته، ويتجاهل نصائح المؤسسة الطبية، ويتبع حلاً سهلاً وإن كان غير مضمون؟ هل هو جاهل؟ هل هو أحمق؟ أم هناك ما هو أعمق من ذلك؟

غربة المواطن وجبروت النظام الصحي
يكمن جزء من الإجابة في أن الملايين من المرضى العرب يشعرون بأنهم في حرب مع نظام صحي لا يرحمهم: ممرات باردة، وأطباء لا يجيدون التواصل، ولغة طبية معقدة كالطلاسم، وتكاليف تنهش ما تبقى من دخلهم الشهري.

تأمل معي جولة سريعة في أي مستشفى حكومي أو حتى خاص في عالمنا العربي. ممرات طويلة بلا دليل، وكراسٍ بلاستيكية صلبة، وأرقام وأبواب متشابهة. انتظار لساعات دون أن يشرح لهم أحد لماذا. أصوات المرضى وصراخ الأطفال، وروائح المطهرات التي تغطي على رائحة الخوف.

في هذا المكان، يتساءل المريض في صمت: هل أنا إنسان يستحق الرعاية، أم مجرد «رقم» في نظام آلي؟
ثم يدخل إلى عيادة الطبيب. طبيب لا يرفع عينيه عن شاشة الكمبيوتر. يتحدث بلغة لا يفهمها إلا من درسها. التقرير الطبي يشبه وثيقة سرية. المريض يخاف أن يسأل «لماذا؟»، لأنه لا يريد أن يبدو جاهلاً أمام الخبير، ثم تأتي الفواتير: الكشف، والتحاليل، والصور، والأدوية.. تكاليف قاهرة ومذلة.
أمام هذا النظام، لا يشعر المريض بالألم فقط، بل يشعر بالغربة، فهو دخيل في مكان غريب، جاهل أمام لغة لا يفهمها، وفقير أمام تكاليف ترهقه.

بيت القصيد: نموذج الرعاية الصحية الحالي مصمم ليعالج الأمراض، لا ليعالج البشر. إنه نموذج صناعي، بينما الناس يبحثون عن نموذج إنساني. هذا الجبروت الطبي هو أرض خصبة لأمثال العوضي.

المريض يبحث عن إنسان، وليس عن طبيب، ثم يأتي العوضي. عبر الشاشات، يتواصل مع المريض. يتحدث بلغته، بالعامية، بأمثلة من حياته اليومية. يمنحه من وقته ساعات في بث مباشر. يقدم له النصائح.. وأهم من ذلك، يعترف به وبآلامه. يمنحه الأمل.

لم يقدم العوضي دواءً جديداً. قدم شيئاً كان النظام الصحي الرسمي قد نسيه تماماً: الاعتراف بوجود المريض كإنسان.
العوضي كشف لنا أن المريض العربي لا يبحث عن طبيب عبقري. يبحث عن إنسان يراه، يسمعه، يشعر به. يبحث عن دفء في عالم طبي أصبح آلة باردة.

لماذا لا تكفي الإجراءات الرقابية؟
ما الذي فعلته المؤسسات الرسمية عندما انتشرت ظاهرة العوضي؟ شطبته نقابة الأطباء من عضوية النقابة، وأغلقت وزارة الصحة عيادته، وحظر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أي محتوى له.

قد تكون كل هذه الإجراءات، من وجهة النظر الرسمية، صحيحة، وربما واجبة. لكنها، وبكل تأكيد، ليست كافية، لأنها لم تتطرق إلى السؤال الأساسي: لماذا استمع الناس للعوضي؟ هل هم أغبياء؟ جاهلون؟ أم يائسون؟

الناس استمعوا لأنهم يائسون. يائسون من نظام صحي لا يشعرون فيه بالطمأنينة. يائسون من أدوية غالية لا تنفع. يائسون من طوابير طويلة لا تنتهي، وأطباء لا ينظرون في أعينهم.

العوضي لم يخلق هذا اليأس. هو فقط اعترف بوجوده، وحاول التعامل معه، وهذا هو الدرس الذي لا تريد المؤسسات الرسمية رؤيته: العقاب لا يعالج الأزمة. العوضي لم يكن سبب المرض، بل كان عرضاً من أعراض مرض أعمق. حتى لو اختفى العوضي اليوم، سيأتي آخر غداً، لأن التربة التي أنجبته لا تزال خصبة.

الإجراءات العقابية لا تمس جذور الأزمة: نظام صحي يركز على الأمراض لا على البشر، تكاليف طبية تدفع الأسر نحو الفقر، وغياب ثقافة التواصل بين الطبيب والمريض، وإعلام صحي فوضوي، وجمهور أعزل معرفيًا.

العوضي كشف لنا أن عقاب الأفراد دون إصلاح الأنظمة هو مجرد مسكن مؤقت. وبمجرد أن يزول أثره، يعود الألم، ويأتي مسكن جديد باسم جديد.

فجوة خطيرة في الثقافة الصحية العربية
لنكن صريحين. قدم العوضي مفهومه الخاص للتغذية العلاجية، وليس من اختصاصنا تقييم صحة هذه الأفكار علميًا؛ فهذا شأن أهل التخصص. لكن ما يهمنا في هذا الصدد هو ما كشفته ظاهرة العوضي من عجز كبير في النظام الصحي الرسمي، وفجوة مريعة بين ما يقدمه هذا النظام وبين ما يحتاجه البشر. فجوة لا تتعلق بنقص المعلومات، بل بنقص القدرة على تقييم المعلومة.

فنحن نعيش في عصر يتوافر فيه كل شيء. الإنترنت مليء بالمعلومات الطبية المجانية. هناك آلاف الأطباء الحقيقيين على «يوتيوب» و«فيسبوك». لماذا اختار الناس العوضي من بينهم جميعاً؟

لأن العوضي فهم شيئاً لم يفهمه الأطباء التقليديون: في عصر المعلومات، المصداقية لا تُبنى بالشهادات فقط، بل بالتواصل.
لكن ثمة سبباً أعمق. المواطن العربي لم يتعلم أبداً كيف «يتعامل» مع المعلومة الطبية. لم يتعلم في المدرسة كيف يفرق بين دراسة علمية محكمة وتجربة شخصية على

«فيسبوك». لم يتعلم قراءة تحاليله، أو كيف يسأل طبيبه الأسئلة الصحيحة، أو كيف يشك في «الحلول السحرية».
هذه ليست مشكلة الأفراد وحدهم. هذه مشكلة منظومة تعليم وإعلام فشلت في بناء «محو الأمية الصحية» كحد أدنى من الوعي الجمعي.

العوضي كشف لنا أننا نعيش في فجوة معرفية خطيرة. فجوة بين ما يقدمه الطب الحديث وبين ما يفهمه المواطن العادي. هذه الفجوة لا تسدها الشهادات الجامعية، بل تسدها برامج توعية، ومناهج دراسية، وإعلام مسؤول.

ماذا بعد العوضي؟
العوضي كشف لنا حقائق مؤلمة، علاجها يحتاج إلى كثير من الشجاعة، ونقد الذات، والرغبة الحقيقية في إصلاح قطاعات التعليم والصحة والإعلام، ولنتذكر أن الإصلاح لا يعني بناء مستشفيات جديدة فقط، بل يعني أيضًا:

• إعادة تصميم نموذج الرعاية الصحية، ليكون إنسانيًا لا صناعيًا، بحيث يُقاس نجاح المستشفى بكرامة المريض ووقت الاستماع له، وليس بعدد الكشوف فقط.
• نظام تأمين صحي عادل وشامل، يفصل بين تكلفة العلاج ودخل المريض، ويضمن أن الفقر لا يكون حكمًا بالإهمال الطبي.
• إدراج مهارات التواصل الإنساني كمواد إجبارية في كليات الطب ومعاهد التمريض، لأن الطبيب الذي لا يتقن الاستماع لا يكتمل علاجه.
• بناء وعي صحي نقدي يبدأ من المدرسة، ويستمر في الإعلام، لا يترك المواطن أعزلَ أمام كل من يعد بالخلاص السريع.

العوضي مات. لكن المرآة التي حملها ما زالت في أيدينا. فهل سنكسرها غضبًا؟ أم ننظر فيها بصدق هذه المرة؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»