Atwasat

التليسي خارج الصندوق الليبي

سالم العوكلي الثلاثاء 12 مايو 2026, 05:49 مساء
سالم العوكلي

هذه المقالات التي نشرتها تباعاً عن الكاتب خليفة التليسي، كانت مشروع دراسة مطولة عن فن المقالة الأدبية لديه كرائد لها في المدونة الليبية، وهي دراسة لم تكتمل في الواقع ولم تنشر لسنوات طويلة، جاءت بعد دراستي عنه ناقداً مستشرفاً للشعر وكانت بعنوان «الرؤية النقدية للشعر عند خليفة التليسي» والتي جاءت كتعديل في عنوان سابق مفاده النظرية النقدية للشعر عند التليسي، ولكني اكتشفت، أثناء البحث والكتابة، أنها لم تبلور ما يمكن تسميته نظرية على الرغم من أهمية آرائه المبكرة في طرحه مفهوم الجوهر الشعري، وكانت جرداً لآراء متفرقة كتبها في أمكنة وأزمنة مختلفة، حاول من خلالها أن يحدد رؤيته الخاصة لما يستحق أن يسمى شعراً، أو شعراً خالداً كما يقول، وأهميتها تكمن في كونها منفتحة على مغامرات الشعر العربي آنذاك وفي الوقت نفسه جوابةً لآفاقه المستقبلية ضمن رؤية قادرة على أن تستوعب كل الاجتهادات اللاحقة في التطوير الشعري.

لقد أعدت في الفترة الأخيرة قراءة بعض نتاجات الرائد خليفة التليسي، خصوصاً كتابيه «كراسات أدبية» و«رحلة عبر الكلمات» اللذين جمع فيهما نخبة من مقالاته المتعلقة بالأدب والفن عموماً، وهي من الأهمية بمكان لتستعاد أسئلتها وتُختبر أجوبتها، ولتُستأنف ما أثارته من آراء جريئة وإشكالات ما زالت رهن الجدل حتى الآن فيما يتعلق بمفهوم الأدب كاصطلاح نقدي كان شاغل النقاد في العالم وفي ثقافتنا العربية طيلة القرن المنصرم. خلصت في المقالة الماضية إلى إشكالية «الأنا» عند التليسي، والمفارقة التي تجعله يربط الإبداع أو المقالة الأدبية الحقيقية بالنسبة له بأنا الكاتب وعدم قدرته على تطبيق هذا المدخل في كتاباته لأسباب تم ذكرها، غير أن «أنا» المعلم هي التي كانت حاضرة بوضوح وليس أنا التجربة الشخصية أو المعاناة كما نظر لها.

ومن خلال كتابه «رحلة عبر الكلمات» سأضرب أمثلة وردت تحت فصل وضعته تحت عنوان «الأنا المواربة» حيث في مقالته «الأدب والأخلاق» المنشورة بالكتاب المشار إليه يعرض التليسي إلى كلمة لجيوفاني باييني قرأها في كتاب «حجر جهنم»، وهو إذ يعيد نثرها بتصرف فإنه يدس «أناه» المفترضة في ثناياها لتجاوبها الواضح مع أفكاره الخاصة، بمعنى أنه يُسرب آراءه مرفودة بهذا الاقتباس حول هذه المسألة التي مفادها أن القواعد الأخلاقية التي تتحكم في الكاتب هي أن «يكتب فيحسن الكتابة، وأن يصدق في التعبير عن التجارب الإنسانية». وهو بهذا المعنى ينحاز للرأي الذي يعتبر أن «الالتزام» لا يأتي من خارج المبدع لكنه يعني الالتزام تجاه طبيعة الفن نفسه، فالكاتب الكبير، كما يقول «لا يمكن أن تكون أفكاره الأخلاقية بسيطة توحَى إليه من الخارج، ولكنها تتحول في نفسه إلى عواطف حية، وتصبح عنصراً جوهرياً، لا من شخصيته فحسب، بل من وجوده كله». ومن خلال هذه التوطئة التي يُعرّف بها معنى أن تكون مبدعاً ملتزماً وذا رسالة إنسانية، ينتقل التليسي إلى إعادة إنتاج سياق آخر لجيوفاني تحت عنوان «الكاتب معلم» ذاهباً إلى أن مضمون هذه الفكرة يأتي في الطرف المقابل للنظرية المعروفة «الفن للفن»، وهو يحاول أن يمسك خيطاً رفيعاً يربط بين فكرة الإخلاص للجوهر الفني و«إن الكاتب في الوقت نفسه صاحب رسالة رفيعة يجب أن يضطلع بها وهي السمو بالإنسانية».

وفي الوقت الذي يبدأ مقالته عن جيوفاني بقوله «إن هذا الكاتب لم يكن خالصاً للأدب، ولكنه كان خالصاً للمعرفة باختلاف ضروبها وأنواعها. ومن هنا كانت له هذه المكانة المرموقة التي احتفظ بها بمتابعته للثقافة العالمية، وفهمه الشديد لقضايا الفكر التي تشغل الذهن الإنساني» فإنه في الواقع يؤكد على حضور أناه شخصياً باعتبار هذا التفسير أو هذه الإشادة تنطوي على سيرة التليسي نفسه في الثقافة العربية التي هي جزء من الثقافة الإنسانية، وهو إذ يتوقف ملياً في هذه المقالة عند مفهومه للأدب وللمعرفة كمعيار أخلاقي وحيد لكل ما يُكتب، فإنه يعكس مذهبه في الكتابة الذي ينأى عن اللغة الإنشائية أو الهذيانات الجوانية أو المنحى التعميمي في طرح القضايا، وبدل ذلك يعتمد سرد العديد من الوقائع التي تؤيد فكرته مع التركيز على تفاصيل منتقاة يحاول الإحاطة بها ومعالجتها من أكثر من زاوية، أي «يضغط أفكاره على كل ما يريد من المقاسات، فلا يجنح به قلمه إلى الهامشيات والجانبيات، ولا يكبو به ضد البحث عن الرأي المساعف» كما يقر محمد الجابري في الصفحة 69 من كتاب «دراسات في أدب خليفة التليسي». فضلاً عن ذلك يُسخّر هذه الوقائع في دعم أطروحاته النظرية أو ما يود إيصاله عن أزمات ثقافتنا ومعالجاتها من مدخل أدبي.

وفي كل ذلك لا يتخلى عن مسؤولية المعلم الذي يحاول أن يقود القارئ إلى مفاتيح المعرفة وخرائط الخلق الفني، وهو في الوقت نفسه «الهيومانيست» كما يسمي نفسه الذي لا يعتقد في حدود تفصل بين الفكر الإنساني أو هويات سياسية أو قومية للفن، وبالتالي يمكننا أن نتواصل مع هذه الروح الجوابة والمعتقدة دون شك في مشروعها عبر كل ما يكتب، سواء تطرقت مقالته إلى كاتب غربي قرأه في لغته أو إلى عرض لكاتب أو كتاب محلي يرى فيه روح النزعة الإنسانية. فمنهجه الأساسي في الكتابة يتمثل في الإخلاص لذائقته الخاصة وانطباعه المدرَّب حيال كل ما يقرأ، معتمداً أسلوبه السهل والحرص على بناء آرائه بشكل منطقي تحيل فيه كل جملة إلى ما بعدها وكل سؤال تعقبه غالباً إجابة مقترحة، مع ربطه بين الموضوعي والذاتي بشكل يسعى لأن يستعيض بالتكامل عن التناقض، فكل من يكتب عنهم ينحاز ذاتياً ووجدانياً إلى نصوصهم، وحتى كتاباته التي تنتقد بحدة مشاهير في صنوف الأدب وتنزل بهم من أبراج لم تشيدها إلا الشهرة والنزعة الشعبوية ينتقدهم بجرأة منحازاً إلى رؤيته وتعريفه المبدئي للفن الأصيل أو ما يسميه الفن الخالد.

التليسي في معظم مقالاته في هذا الكتاب المهم في وقته وحتى الآن، يبدأ باقتباس من كاتب معين كمقدمة لما سوف يطرحه من فكرة مركزية يدور حولها، مقالات: «الأدب والأخلاق ــ في المقالة ــ البرتومورافيا والقصة الفكرية ــ اللغة وبيراندللو ومسرح اللامعقول». أو يبدأ مقالته بجملة أو سياق على درجة عالية من القطعية، ثم يستدعي من الوقائع الفكرية والأدلة ما سيؤكد صحة هذا المدخل: «القصة أدب العصر ــ الكاتب معلم ــ الذاتية والإبداع ــ لمحة عن الحياة الأدبية في ليبيا»، وكثيراً ما يختصر عنوان المقالة مضمونها أو غايتها من كتابتها، فينأى بالعناوين عن الإثارة الصحفية باستثناء عنوان واحد «أنا عباس محمود العقاد» حيث «أنا» هي اسم الكتاب، وفي الكتاب مقالة واحدة تبدأ بسؤال «الإنسان الذي خلف الفنان» والتي يستهلها بـ «ما الذي يغرينا بقراءة الترجمة والسيرة الذاتية؟»، إضافة إلى مقالة «هل لدينا شعراء؟» التي يبدأ سؤالها من العنوان، وهي المقالة التي أثارت ضجة كبيرة في وقتها وبعد ذلك، لأنها كانت تعكس بشدة منهج التليسي في التفكير خارج الصندوق، الصندوق الليبي على الأقل.

لست هنا بصدد مناقشة الأفكار الجريئة التي يطرحها التليسي بقدر محاولة استشفاف أسلوبه وطريقته في كتابة المقالة الأدبية التي مثّل أهم أعلامها، فبقدر ما يكون موضوع المقالة شائكاً وله علاقة بالفن أو الفكر، تتصاعد وتيرة اللغة وكثافة الأفكار المتلازمة، وبقدر ما تكون المقالة متعلقة برصد حالة ثقافية أو اجتماعية أو عرض لكتاب أو ملاحظات عن التاريخ، بقدر ما تنحو صوب الكتابة الصحفية المباشرة التي تتوخى الإخبار أو الوصف أكثر من الاستبطان أو التحليل، وفي المجمل غالباً ما يستخدم التليسي مفرداته وتعبيراته الوثوقية في طرحه لعديد من الإشكاليات قيد الجدل «لا ريب، أؤمن، لا يختلف اثنان .. إلخ» أو على سبيل المثل: «كنتُ ومازلت وسأظل مؤمناً بأن الذاتية منبع الفن» وكأنه متحمس للرد على من يجادلون في ذلك الوقت بطرح معنى آخر «موضوعي» لمفهوم الالتزام، كما تندر السياقات التي تحمل استفهاماً أو ظل شك، وهو الشأن الذي يتوافق مع شخصية المعلم القابعة في داخله، والتي يدعمها دوره التأسيسي في ثقافتنا الوطنية الذي توزع بين النقد والتاريخ والترجمة والمعاجم والمقالة، وكان في كل ما يكتب يسعى للبحث عن جذور ثقافية لهذا الكيان السياسي الناشئ عبر تقصي أسئلة الذوات التائهة فيه، وإصراره في الوقت نفسه على أن يفتح نوافذ المعرفة للتواصل دون توجس أو عُقد مع الثقافات الإنسانية، حيث هواجس الروح البشرية المشتركة التي تنعكس في فنون متضافرة في مواجهة كل ما يتهدد مصير الإنسان من أخطار فوق هذا الكوكب. فهو بقدر ما سعى لأن يغرس بناءه الفكري في تربة المكان ما انفك يقيم شرفاته المطلة صوب كل الاتجاهات لتضيء الشمس بيته الراسخ في أرضه الصلبة، ومن خلال هذا الجدل كانت تتشكل مقالته التي من الواضح أنها كانت مستفزَّةً من ترسيمات جمودية سائدة تجاه التراث والحداثة وجوهر الفن المخلص لذاته وتجاه فكرة الجمال الإنسانية التي يلتقي عندها حُماة الروح من كل مكان وكل زمان.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»