أطلقت تونس العزيزة على معرضها الدولي للكتاب، وهو يبلغ عامه الأربعين، وفي دورته التي بدأت أشغالها في الرابع والعشرين من أبريل، شعار «عندما يصبح الكتاب وطناً»، فاستوقفني كثيراً هذا العنوان لما أثاره لدي من بليغ المعاني وعظيم الذكريات والمشاعر، بعد أن قررت طائعاً مختاراً العدول عن حضور هذا النوع من المحافل وما ينتظم داخلها، وقريباً من الحوار المتلفز والمرتب لأكثر من دافع وعائد لا يصعب حصوله على كل من خَبِرَ جدوى هذا النوع من الحراك وما يُحدد بشأنه من الغايات، وبالذات تلك المتعلقة بما يحتدم من صراع حول المتسابقين في هذه المرحلة الانتقالية بين الساعين لبقاء الأحوال حيث هي، ومن يسعى إلى الإسراع بمحاولة الخروج منها.
إنه العدول الذي رجحته على الرغم من وجود أكثر من محفز ومن عرض كريم، لا صلة له بأي استغلال قد يُدخل كل من يقبله قوائم الموسومين بما لا يمكن التطهر من رجسه عبادة أو فدية أو صوم الأيام والشهور، ليبقى لدي ما حملت الذاكرة والتي أتمنى على العالم بالتمني والقادر دون غيره أن يمنَّ ببقائها صالحة للأخذ والعطاء، سيما نحو تونس التي سكنت الوجدان على أكثر من مستوى، وارتبطت بالعمر في جميع مراحل عنفوانه من وعي وتمرد وعلاقات ومسؤولية وتآزر، أي أن الإعراض ليس نتاج العجز وإنما هو بفضل الامتلاء الذي لم يترك أي مسافة يمكن أن تُسَد أو تتسع للزيادة، اللهم إلا إذا كان المطلوب هو الفائض الذي كثيراً ما يذهب نحو الأرض، تلك التي كثيراً ما تستقبل ما يفيض على المكاييل من السوائل.
ومثلما وصف أديب ليبيا الراحل خليفة التليسي معرفته لصحف ومجلات مصر بمثابة قدوم مصر نحو ذلك المثقف، وأتاحت له التواصل مع كل ما يجري فيها وهو يعيش داخل طرابلس، فإن من الممكن أن نعتبر الاطلاع على تراث ابن خلدون في التاريخ، وابن رشيق حول الشعر، وسحنون في الفقه، كانت في مقدمة ما نبه إلى نوعية هذه المراجع بين نظيراتها العربية، ووضعت حجر الأساس في التعاطي مع العقل التونسي وذخائره، والخروج بأجود ثمراته وأنفس نتائجه، واكتساب المرجو من المكانة وطنياً ودولياً.
فلتَهْنأ تونس العزيزة بمعرضها السنوي للكتاب وهو يطوي صفحة عامه الأربعين، وليُحترم نهجها القائم على القبول بالموجود على نقصه ريثما يُصار إلى تجاوزه بدل وهم الإصرار على الأفضل والذي قد يستحيل بلوغه، وليُوفَّق العاملون على بقائه وتطويره، ولتشمل الرحمة كل الذين غادرونا من الأعزاء الذين طالما بذلوا أقصى ما استطاعوا، وليبقَ الخيار المغاربي في كل عمل جمعي ينشد أسلم البدايات ويتوخى دوام الاستمرار والتطور وتجنب كل ما يؤدي إلى النكوص والعثرات.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات