في مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين التحقت بدراسة القانون في بنغازي، لم أكن أدرك آنذاك حجم الفضائل المعرفية التي تختبئ في ثنايا تلك المدينة البهية؛ فالفضيلة الأولى كانت (الارتحال نحو الآخر) واكتشاف الشرق الليبي الذي سكنني وأحببته، تجسيداً لحكمة الأوائل الذين جعلوا من التوزيع الجغرافي للمعرفة أداة لتعميق الوحدة الوطنية وصهر الهويات الضيقة.
والفضيلة الثانية تجلت في الفضاء العام لمدينة بنغازي قبل (زمن التصحر)، حيث كان يمورُ بنشاطٍ ثقافي وسياسي ثري ساهم في تشكل وعينا البكر، أما الفضيلة الأخيرة فهي تلك الإضاءات الجوهرية التي يمنحها الفكر القانوني حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي مفاهيم كانت شبه مغيبة خلف ضجيج الخطابات السائدة ضد الاستعمار والإمبريالية؛ فدراسة القانون هي فعل استفزاز للعقل وطرح دائم للأسئلة القلقة والنقدية حول يقينيات ظنناها غير قابلة للمساءلة.
ويحضرني هنا نهج أستاذ القانون الدستوري، الدكتور عبدالرضا الطعان، الذي فكك لنا مفهوم السلطة تاريخياً وبنيوياً، فخُيل لنا في تلك الحقبة أن امتلاكنا للمفاهيم الدستورية هو امتلاك حتمي لأدوات التغيير، غير أن التجارب كشفت لنا محدودية تأثير النص أمام صلابة الواقع، واتضح لنا وهم الاعتقاد بأن تدوين القيم في الوثائق يفضي بالضرورة إلى دمقرطة مجتمعنا وأنظمتنا، وهنا يبرز الإشكال التاريخي مصدر إخفاقاتنا والمتمثل في الولادة المبكرة للدولة الحديثة التي لم تكن نتاج مخاض داخلي أو ثقافة مجتمعية ناضجة، بل كانت استباقاً لزمن لم يأت بعد ووليدة توافقات دولية فرضتها صراعات تلك المرحلة.
فالديمقراطية لا تزهر إلا في تربة من القيم والأخلاقيات العضوية، وفي مقدمتها (الاعتدال) كنهج لاستيعاب التعقيد وخط اتصال شجاع مع المختلف، وقدرته على مزج أفكار تبدو متصارعة، كما أنه يمنح المرء وعياً بذاته من الخارج، و(التسامح) الذي يحرر الإنسان من قيوده الداخلية قبل أن يكون مزية للآخر، فالاعتراف الحقيقي بالآخر هو تجسيد للمساواة التامة أمام القانون والمواطنة؛ إذ لا يمكن للديمقراطية أن توجد في مجتمع تهيمن عليه المنظومات التقليدية من جهوية وقبلية، حيث تتآكل المؤسسة المستقلة وتختفي المواطنة.
هنا ستبقى الوثائق الدستورية مجرد نصوص تبشيرية وشعارية يجرى توظيفها في الصراعات السياسية والثقافية طالما بقي هناك من يرفض الدستور، أو يزدري نتائج الصناديق، أو يشرعن العنف سراً أو علانية والارتباط بالتشكيلات المسلحة، أو ينكر الحق في التعبير أو يتبنى نظرة دونية للمرأة، فالدستور وحده لا يكفي ما لم يلن الواقع ويسمح لهذه القيم بالتحقق في صلب الوعي الجمعي والممارسة اليومية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات