من أبرز وأهم الثورات التي حدثت في تاريخنا الإسلامي كانت ثورة العبيد أو الزنج كما عرفها كتاب التاريخ.
تلك الثورة التي وقعت في أرض العراق في عهد الخلافة العباسية، كانت ضد العبودية بكل بشاعتها، وقد ترسخت كركن أساسي في اقتصاد الخلافة، وكفقه وفلسفة للأخلاق والسياسة في نظامها الإمبراطوري، كان العبيد السود يجلبون من شرق أفريقيا بعد أن يجري اصطيادهم وبيعهم للتجار العرب المسلمين لاحتجازهم في معسكرات العمل وظروفها القاسية التي تستنزف حياتهم وإنسانيتهم، كانوا يستصلحون الأراضي السبخية تحت سياط الإقطاع المسلم، وتفتك بهم الأمراض والأوبئة فيموتون كما تموت الدواب المهملة، كان عرقهم وجهدهم ودمهم يثمر ثروات طائلة للسادة الإقطاعيين.
كان العبد منهم ومنذ ميلاده محكوماً بمصير آبائه من العبيد، الموت كادحاً ليغتني السيد ومحروماً ليتنعم السيد، وكل ذلك مكتوب ومقدر ولا فكاك منه إلا بالموت.
العباسيون لم يترجموا إرث اليونان في الفلسفة والعلوم فقط على ما يبدو، بل اعتنقوا شرائع العبودية من روما وأضافوا عليها من شرائعهم ما يناسب.
وفجأة ودون أن يعرف أحد من أين، خرج رجل اسمه «علي بن محمد» شاهراً كلمات الحرية والعدالة، كان خطيباً بارعاً وكان بفيض معرفة بنواميس العدل والحرية، بينما كان شعراء ومغنو وجواري البصرة وبغداد يثرثرون عن مكر الغواني، وأوضاع النكاح وشكوى «حامل الهوى التعب»، وفي تلك الأثناء أيضاً كان البخاري يجمع ما يجد من أحاديث النبي «صلعم» ويدونها، وكذا كان «مسلم»، وانطلق أنصار علي بن محمد القليلون وانتشروا وسط العبيد ينشرون الوعي بالحرية والعدالة.
البصرة كانت مدينة الثراء الفاحش، مدينة الذهب والفاكهة، مدينة اللهو واللذائذ، شجرة تفاح آدم الدنيوية التي كان يسقيها عرق ودماء أولئك العبيد، كانت مدينة القصور الفارهة والقباب المذهبة التي بناها عمال جوعى، تنتشر أكواخهم وزرائبهم حولها، يفتك بهم الجوع والمرض والجهل، لينتشر بها أنصار ابن محمد الذي لا أحد يعرف من أين خرج.
ومن عِشَش العبيد ومن معسكرات السخرة والعبودية تتفجر ثورة الزنج يقودها علي بن محمد الذي يقول إنه من «آل البيت» ويقول أعداؤه إنه من فارس، ويجتاح بجيش من العبيد والجوعى أكبر إمبراطوريات العالم في ذلك الوقت، يهزم جيوشها المحترفة مرات عديدة ويفتك منها مدنها وأريافها، والأهم يفتك منها عبيدها وعمالها.
علي بن محمد وثواره وقعوا في أخطاء الثورات، أعني «التخريب والثأر»، فيخرب البصرة ويدمرها ويقتل مقاتلوه من يجدون فيها دون تمييز، يسلب أرزاق الناس ويسبي النساء ويستعبد الرجال، يبني «المختارة» عاصمة لدولة ثورته ويكدس فيها غنائمه ويعلق على أبوابها رؤوس معارضيه المقطوعة، ويحتل ثواره مكان أسيادهم السابقين ثراءً وفحشاً واستعباداً للبشر، ليفشل ويذهب ريحه رغم خطبه وشعاراته التي صارت لا معنى لها، وجيوش العباسيين تحاصر «المختارة» وتدكها بالمنجنيق ويتخلى عنها الجميع، لتسقط وتنتهي ثورة العبيد الإسلامية أو ثورة الزنج، رغم عدالة وصدق أهدافها، بعد أربعة عشر عاماً من الثورة والانتصارات.
ثورة الزنج ثورة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى في عصرنا الحديث، إنها جزء مهم من تراثنا الثوري الذي لم ندرسه ولم نقف على أخطائه وعوامل نجاحه، إنها إحدى لحظات الحيوية الحضارية التي دفناها بعيداً عن الوعي وهربنا من ذواتنا وتاريخنا بحثاً عن لحظات الثورة في حضارات أخرى، فرغم كثرة الثورات في تاريخنا الإسلامي، إلا أن كتاب تاريخنا أهملوا قراءتها وتعاملوا مع أحداثها وأدبياتها كتاريخ مسيء لحضارتنا، وأصدر فقهاؤنا فتاوى تكفير لغالبها.
هذا التجاهل، والذي يصل إلى حد النكران لحدوثها، جعلنا شبه أميين في علم الثورات وتاريخها وأسباب حدوثها، ثم ذلك السؤال الأهم: لماذا ظللنا نلوك ركودنا وانهياراتنا المتتالية؟ هل لأن ثوراتنا طُمست ومحاولات تغييرنا فشلت؟ ولماذا، وعلى الرغم من ترديد نخبنا الثورية الحديثة لضرورة الثورة من أجل التغيير والنهضة، لم نلتفت لإرثنا الثوري لندرس عوامل وآليات وفلسفة تلك الثورات، وكيف نجحت ولماذا فشلت؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات