لم تكن محاولة الاعتداء على الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» وإدارته في عشاء مراسلي البيت الأبيض حدثاً عابراً، وإنما الحدث الذي استدعى فكرة «الاغتيال السياسي» بسجلّه الحافل في الولايات المتّحدة. ويُعتبر ترامب أكثر رؤساء أميركا تعرُّضاً لمحاولات الاغتيال، حيث كانت الأخيرة المرة الثالثة!
لقد عبر الحدث الأخبار العالمية، وشغل الأميركيين كما شغل العالم في أثناء أزمة الشرق الأوسط، وانهيار التجارة العالمية، وارتفاع أسعار النفط. فماذا لو قضى الرئيس ونائبه ووزير حربه وخارجيته وأمنه القومي في العشاء الأخير للبيت الأبيض؟! هنا، لا يعود السؤال افتراضياً بقدر ما يتحوّل إلى تشريحٍ لبنية القوّة نفسها، بمعنى كيف تفكّر الدولة حين يُستهدف رأسها؟ وكيف تُدار اللحظة التي يمكن أن تنقلب فيها السياسة إلى فراغ؟ أعتقد أنه في مثل هذه اللحظات الحرجة لا يظهر الاغتيال كحادث عابر، بل كاحتمال دائم يسكن داخل النظام، وكأداة احتياط تُستدعى حين تفشل الأدوات الأخرى في إنجاز مهامها قبل الانهيار!
وفي التاريخ الأميركي، لم تكن الرصاصات التي استهدفت «جون كينيدي» عام 1963 مُجرّد اغتيال رئيس، بل زلزالاً سياسياً كشف هشاشة السردية عن السيطرة المُطلقة، تماماً كما في حدث اغتيال «أبراهام لينكولن» عام 1865، واغتيال «جيمس غارفيلد» عام 1881، واغتيال «ويليام ماكينلي» عام 1901. كما لم تكن محاولة اغتيال «رونالد ريغان» في الفندق نفسه عام 1981 حدثاً معزولاً، بل تذكيراً بأن أقوى دولة في العالم يمكن أن تُختزل، في لحظة، في جسد معرّض للرصاص.. فبين اغتيال «كينيدي» مثلاً، ومحاولة اغتيال «ريغان» تتكرّر الفكرة نفسها في أن الدولة، مهما تعقّدت مؤسساتها، تظل قابلة للاختراق حين تتكثّف الصراعات داخلها أو حولها، خاصة أن التاريخ الأميركي لا يخلو من تحدّيات القوّة.
لكن الوجه الأكثر برودة لهذه «الحكاية» لا يظهر في السياسة وحدها، بل أيضاً في العالم الموازي الذي يدير منطقه الخاص في العديد من بلدان العالم.. ففي عالم المافيا لم يكن الاغتيال استثناءً، بل قاعدة عمل ممنهجة. فتصفيات «آل كابوني» وخصومه، وحروب العائلات الإجرامية، لم تكن مُجّرد جرائم، بل نظام حُكم غير مُعلن، تُحسم فيه النزاعات بالرصاص لا بالقانون، إذ في هذا العالم تتجلّى الفكرة العارية بالمعتقدات الخاصّة، بمعنى حين تغيب الشرعية، يحلّ العنف مكانها، وحين تتعقّد المصالح، يصبح الاغتيال أسرع الحلول وأكثرها حسماً للمواقف واستعادة القوّة.
وإذا كان الفارق بين «الدولة» و«المافيا» يبدو واضحاً في الشكل، فإنه يضيق كثيراً في الجوهر حين تصل الصراعات إلى ذروتها. فالتاريخ الحديث مليء بلحظاتٍ اختلطت فيها الأدوات، وتحوّلت فيها الاغتيالات إلى رسائل سياسية مغلّفة بالفعل الجنائي، أو العكس.. وهنا لا تعود المسألة إلى «مَنْ ضغط الزناد»، بل إلى «مَنْ أمر بضغط الزناد؟!».
على امتداد العالم، تتكرّر الحكاية بصيغٍ أكثر قسوة، فلم يسقط الطغاة دائماً بثوراتٍ شعبية، بل كثيراً ما انتهت عهودهم برصاصٍ قريب، مثل «بينوشيه» في تشيلي، و«موسيليني» بإيطاليا، و«تشاوتشيسكو» في رومانيا، وسواهم في أنحاء العالم، ومثل العديد من الزعماء العرب الذين تم اغتيالهم من الخارج بأيدي الداخل مثل «أبوضياف» في الجزائر، و«السادات» بمصر، وباسم «الثورات» مثل «القذافي» في ليبيا، و«علي عبد الله صالح» باليمن، لتختلف النهايات في شكلها، لكنّها تتشابه في معناها. فحين تعجز الأنظمة عن تفكيك السُّلطة من الداخل، يُعاد تفكيكها من الخارج، أو عبر العنف المباشر. وفي حالاتٍ أخرى، كان الاغتيال أداة استباقية لإعادة رسم الخريطة السياسية قبل أن تنفجر، فتُغتال الشخصيات التي تمثِّل عقدة التوازن، لا لأنها الأضعف، بل لأنها الأخطر!
إن ما يجمع بين هذه المشاهد الدراماتيكية، من البيت الأبيض إلى أزقة المافيا القديمة، ومن قصور الحُكّام إلى ساحات الفوضى، هو أن الاغتيال ليس فعلاً طارئاً، بل خياراً كامناً داخل معادلة القوّة. خيار يُستخدم حين تصبح الكلفة السياسية للتفاوض أعلى من كلفة الدم، وحين يتحوّل الزمن إلى عامل ضغط لا يحتمل التأجيل. وفي عالم اليوم، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية، لم يعُد الاغتيال مُجرّد أداة لتصفية شخص، بل وسيلة لإعادة ضبط إيقاع النظام كله، بمعنى أن رصاصة واحدة قد تغيّر سوقاً واقتصاداً كاملاً، وتعيد ترتيب تحالفات، وتفتح حرباً للتمكين أو تُغلق أخرى في أماكن أخرى. إنها لحظة اختزال مكثّف، تُختصر فيها سنوات من التراكمات في ثانية واحدة من عُمر رصاصة صائبة تخرج ولا تعود!
أمام فكرة «التصفية» الجسدية لا يكون الاغتيال في نهاية سياسي على منصّة أو قائد في رتل بين الجموع، ولا يقطع الرصاص الهتاف، بل اختبار دولة، فلا يكون هذا الاغتيال حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة تصفيات تُكتب في ظل التاريخ، بأسرارها الغامضة، لتكون في الحقيقة الوجودية محور التغيير في مجرى الأحداث.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات