Atwasat

أناقة الفخاخ والمصائد

محمد عقيلة العمامي الإثنين 20 أبريل 2026, 11:42 صباحا
محمد عقيلة العمامي

قد تكون بدايتي في معرفة ما عرفته بعد سنوات من سماعي لكلمة «الأناقة»، أقصد أناقة الملبس، بدأ مع أحذية شركة (باتا) في مطلع ستينيات القرن الماضي، عندما كان سعر الحذاء ذي النعل المطاطي (99 قرشًا)، وكذلك قصمان (أرو) التي تخصص في توفيرها، في بنغازي، محل (بوجازية) المجاور لمحل (بدوسا) الشهير، والكائن أمام مبنى مصرف ليبيا المركزي قبل تشييده، ولو أضفت بجانب (كشك طلوة) لعرفه جيلي كافة!

الحذاء يُشترى في عيد الفطر، ويتعين أن نحتفظ به سليمًا حتى يوم عيد الأضحى! ولم يكن هذا الترف متوفرًا للناس كافة، ولكن تحت ضغط جدتي (زمزم) لم يكن لسي عقيلة مخرج سوى توفير (كندرة باتا) وقميص (الأرو) للعيد، وأشهد لله أنه كان يدخر قروشها لهذه المناسبة في علبة صفيح في مكان سري أسفل نضد التشغيل في مقهاه! أما إن تعذر الحال فينقذه من ويلات جدتي صديقه الإيطالي (الكوليري) الذي كان حينها من موظفي القنصلية الإيطالية في بنغازي ويسكن في شارعنا المجاور للمقهى!

ولماذا أقول لكم ذكريات وصل عمرها الآن قرابة سبعين عامًا؟

حسنًا! صديق عزيز كان قد أتم دراسته في بريطانيا، وعاد إلى بنغازي في بداية سبعينيات القرن الماضي، حينها لم نر من العالم سوى الإسكندرية والقاهرة! ثم سافرنا معًا إلى الإسكندرية، وقضينا أيامًا شبابية رائعة. وكنت أعرف ترزيًا يُفصل لنا من قماش نحضره معنا من بنغازي، بدلات كنا نتباهى بها، وأخذناه معنا وخاط الترزي لنا بنطلونات، أعجبتنا؛ ثم كانت مناسبة، من بعد كم سنة، أصر أن نرافقه أنا وصديقنا الثالث إلى باريس! ولم نكن نستطيع القيام بهذه السفرة لو لم يتكفل هو بمصاريفها، وفوق ذلك أخذنا إلى (ترزي) خاط لنا بدلتين!

غير أن ما حدث قبل تنفيذ البدل أمر لم نكن نعرفه من قبل، وهو أن نجلس، وبعضنا يضع رجلًا فوق أخرى، ويقيم لنا (الترزي) عرضًا حيًا! يقوم به متخصصون، يمشون برشاقة راقص باليه، لننتقي منه البدل التي أعجبتنا! وكانت بدلات جيدة حد الدهشة. حينها كنا، أقصد أنا ورفيقي، لا نعرف أن صديقنا الذي دعانا إلى باريس انتقى لنا تصميمًا من أحد كبار مصممي الأزياء في فرنسا في ذلك الوقت، وما زال كذلك حتى الآن!

وأعترف أنني حينها لم أسمع مطلقًا بالسيد «كريستيان ديور»، الذي اعتقدت أنه الرجل الأنيق الذي أخذ مقاساتنا، والذي أعطانا مجلة يتصدر غلافها هو «كريستيان ديور»، وكان معها مجلة كانت حينها مشهورة، وهي مجلة «لايف»، التي لا أعتقد أنها ما زالت تصدر ورقيًا حتى الآن! وكانت حينها قد وصفته بأنه «ديكتاتور الموضة!»

فدعوني ألخص لكم بعضًا مما لصق منها في ذهني مما قيل عنه، وهو الذي اعتقدت أنه هو من كان يتهادى مستعرضًا البدلة التي أعجبت صاحبنا:

إنه سليل أسرة من أعرق الأسر البرجوازية، يعد بدينًا، متورد الخدين، ذا مظهر كلي البراءة، أخذته الأناقة واهتم مبكرًا بتصميم الأزياء، وانغمس في ترف الحياة في باريس، ولم تنفع محاولات عائلته ليكون دبلوماسيًا! وكانت دهشته كبيرة عندما نجح في بيع تصاميم أزياء لبعض بيوت الأزياء الكبيرة، كان عمره في ذلك الوقت ثلاثين عامًا، فكان من أوائل الذين ساهموا في شهرة باريس بالأزياء!

وتزامنت شهرة نيويورك في تصدير الأزياء، بعدما تقهقرت صناعتها في باريس أثناء وبعد الحرب العالمية، وأيضًا محاولات إيطاليا لتصدر هذه الصناعة، ويقول أصحاب أكبر مصانع الأقمشة إن «كريستيان ديور» اعتكف في ديسمبر سنة 1946 نحو شهر وخرج برسومات وتصاميم كانت أساس الموضة الجديدة! والعجيب أن هذا المصمم العجيب اعترف أن إلهام تلك التصاميم أساسه نظرة منه إلى أرداف متثاقلة لامرأة من بائعات السمك في باريس!

ولما أخبرت صديقًا عن قصة هذه البائعة، أسهب قليلًا ومط شفتيه وهز رأسه ساخرًا وقال: «الآن فقط عرفت لماذا لم تتطور أزياء نسائنا!..» ثم استطرد: «عمري ما رأيت في (البنكينة) لا (حواتة)، ولا بائعة سمك!؟..»

غير أن الجدير بمعرفته عن هذه الموهبة التي تكاد تسيطر تمامًا على أزياء العالم، أن السيد (ديور) هذا يعتكف أشهرًا ويخرج بنحو 200 تصميم مرسوم للموضة، تُفصل وتُخاط بألوان متنوعة تتناسب مع مختلف ألوان البشرة والشعر، وفوق ذلك (الأرداف)!
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»