كتب المفكر الصادق النيهوم ذات مرة، لعل ذلك في كتابه «تحية طيبة وبعد»: «إذا حفرت في السماء تصنع مئذنة، وإذا حفرت في الأرض تصنع بئرا»، ولعل هذه الجملة العبقرية قادته فيما بعد لكتابة كتابيه المهمين «إسلام ضد الإسلام» و«إسلام في الأسر»، خاصة مقاليه «من سرق الجامع؟» و«أين ذهب يوم الجمعة؟»، وينتهي إلى دعوة المسلمين لاستعادة الجامع ويوم الجمعة من الفقهاء، الذين يحملهم وزر هذه السرقة.
تتضمن جملة النيهوم أن حفر البئر هو الذي يضمن استمرار الحياة في تلك الصحراء. كما تتضمن نقدا للمسلمين الذين يتسابقون على الحفر في السماء وصنع آلاف المآذن، فلولا بئر زمزم لما ارتفعت كل هذه المآذن في مكة، التي يصفها القرآن بـ«واد غير ذي زرع عند بيتك المحرم» (37 سورة إبراهيم).
وإذا عدنا إلى التاريخ فسنجد أن جميع المصادر تتفق على أن أول مسجد بني في الإسلام لم تكن به مئذنة، وهذا المسجد أمر الرسول، عليه الصلاة والسلام، ببنائه في قباء على الطريق بين مكة والمدينة، حيث انتظر هناك ثلاثة أشهر قبل أن يدخل إلى المدينة، وهناك رواية تقول إنه بقي أربعة أيام، وبالتالي فإن المسجد كان بسيطا، حيث بُني من الطين وجذوع النخيل. كما أن المسجد الثاني الذي بناه في المدينة لم تكن به مئذنة، وكان الصحابي بلال بن رباح يصعد فوق السقف ليؤذن، بل إن الأذان نفسه لم ينزل به الوحي، وإنما هو رؤية رآها الصحابي عبد الله بن زيد الأنصاري، الذي رأى في منامه رجلا يلبس ثوبين متشابهين ويحمل ناقوسا، لقنه الأذان بالصيغة المعروفة اليوم، فاستحسن الرسول الرؤية، وأمر بلالا بالأذان بهذه الصيغة.
كما لم يكن هناك منبر في بداية الإسلام، وتقول المصادر نفسه إن الرسول كان يتكيء على جذع نخلة ويلقي خطبة الجمعة، ثم اقترح الصحابة بناء منبر من ثلاث درجات، يقف الرسول على الدرجة الثانية، ويجلس على الثالثة بين الخطبتين، ومعاوية هو من أمر بجعل المنبر ست درجات.
وتختلف المصادر حول أول مئذنة في تاريخ الإسلام، فبعض المصادر ترجح أن عمر أمر ببناء مئذنة في الجامع الذي شُيد في منطقة دومة الجندل عام 16 هجريا، مما يعني أنه أمر بذلك بعد زيارته مدينة إيليا (القدس حاليا)، فهناك شاهد أبراج الكنائس، وخلال عودته أمر ببناء المئذنة في دومة الجندل، شمال مكة على طريق الشام، بينما ترجح مصادر أخرى أن أول مئذنة بُنيت في جامع عمرو بن العاص عام 53 هجريا في عهد والي مصر مسلمة بن مخلد، وفقا للمقريزي، بينما يذكر البلاذري في كتابه «فتوح البلدان» أن أول مئذنة بُنيت في عهد معاوية بالبصرة على يد عامله زياد بن أبيه عام 45 هجريا، بينما كان الجامع الأموي في دمشق هو أول مسجد في الإسلام بُنيت عليه مئذنتان في عهد الوليد بن عبد الملك.
العثمانيون وضعوا الهلال والنجمة على المئذنة، لأنهم توسعوا في أراضي البيزنطيين، وحولوا الكثير من الكنائس إلى مساجد، وعندما أزالوا الصلبان من فوق أبراج الكنائس، فكروا في شيء يضعونه فوق الأبراج، ليكون رمزا للإسلام، فكان الهلال والنجمة، لأن التقويم الهجري هو تقويم قمري، ولأن المسلمين يصومون عند رؤية الهلال، ويفطرون أيضا عند رؤيته، دون أن يدركوا أن الهلال كان رمز الإلهة «إنانا» عند الأكاديين منذ 2300 سنة قبل الميلاد. كما أنه كان رمزا للإله «ود» عند اليمنيين، وهو القمر.
وبعد أن استولوا على عاصمة البيزنطيين «القسطنطينية»، أطلقوا عليها اسم «إسلام بول»، حيث إن المدينة باللغة اليونانية القديمة كانت تُسمى «كوستانتين بولس»، وليس في تراث العثمانيين البدو الرحل القادمين من صحاري آسيا الوسطى اسم مدينة، فاستعاروا من العربية اسم «إسلام»، ومن اليونانية اسم «بولس»، ولكن الاسم أثار اشمئزاز الناطقين بالعربية، فحُرف قليلا ليصبح «إسطنبول»، بعد أن حاولوا كتابة اسم المدينة في كلمة واحدة «إسلامبول» عندما كانوا يكتبون التركية بحروف عربية، ولا تزال الكثير من العائلات في الشام ومصر تحمل لقب «الإسلامبولي».
وعندما يكون الأذان والمئذنة اجتهادا بشريا وليس وحيا منزلا، فإن النيهوم يدعو المسلمين إلى العودة إلى جوهر الإسلام البسيط وإلى مزيد من الاجتهاد، وبقدر ما يلتفتون إلى السماء يلتفتون إلى الأرض حيث الرزق والمعاش، فيحفرون في الأرض ليس بحثا فقط عن الماء، وإنما أيضا عن المعادن والثروات، خاصة المعادن النادرة. فجوهر الإسلام، وفقا للنيهوم، هو الحرية والعدل والمساواة، وما نراه على أرض الواقع هو عكس ذلك.
فقد سرق الحكام يوم الجمعة من المسلمين عندما كلف معاوية عماله بشتم كل المعارضين، وعلى رأسهم الصحابي علي بن أبي طالب، من فوق المنبر، وأصدر الفقهاء فتوى تمنع الناس من إصدار أي صوت في أثناء صلاة الجمعة، مستندين إلى حديث ورد في صحيح مسلم يقول: «من مس الحصى فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له». كما روى أحمد بن حنبل حديثا يقول: «من قال صه والإمام يخطب فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له»، والحديث الأخير مروي عن علي بن أبي طالب، وهذا الحديث حديث أحادي، لذلك صُنف بـ«الحديث الضعيف»، مما يضعف أيضا الحديث الأول.
وعندما أرسل عبد الملك بن مروان عامله على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي، جلس على منبر جامع الكوفة متلثما ومتنكبا قوسه، بينما كان بعض المصلين يتشاورون في رميه بالحصى، ليعرفوا ردة فعل الوالي الجديد، وبعد أن امتلأ المسجد رفع الحجاج لثامه، وقال: «أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني، والله لو أمرت أحدكم أن يخرج من هذا الباب فخرج من ذاك الباب لقطعت رأسه». وفي تلك الخطبة، ألقى الحجاج بيانه الأول الشهير الذي يقول فيه: «يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، أما والله لألحونكم لحو العصا، ولأعصبنكم عصب السلم، ولأضربنكم ضرب غرائب الأبل»، وهكذا استولى الحجاج على المنبر والجامع، وأسكت جميع المسلمين.
وفي العصر الحديث ألقى الحاكم بيانه الأول، الذي قال فيه: «أرفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد»، أو قال: «لا مظلوم ولا مغبون ولا محروم بعد اليوم»، بينما تُكتب خطبة الجمعة في مقر الأمن الداخلي، وما على خطيب الجمعة إلا قراءة ما كتبه أحد ضباط الأمن الداخلي، ويجلس المصلون وكأن على رؤوسهم الطير، بينما يفكر كل منهم في حذائه الذي تركه في مدخل الجامع.
هكذا تحولت حياة المسلمين إلى حياة بها كثير من النفاق وقليل من التقوى، يؤدون طقوس العبادات وكأنها واجب منزلي للتلاميذ، ويهملون أهم ما حض عليه القرآن، وهو المعاملات وحسن الجوار والصدق في القول والعمل، وتحولت المئذنة والمنبر والجامع إلى مؤسسة تتبع السلطة، ولا علاقة لها مع الله صاحب البيت.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات