العبد الإيراني المتمرد الآبق في نظر الغرب الذي يحاول الخروج من حظيرة العبودية في الشرق الأوسط، يتحدى محظورين لا يقبل الغرب التهاون فيهما طالما هو قادر على ذلك.
أول هذين المحظورين هو طموحه المتنامي إلى الخروج من قمقم مسلمات استراتيجية الغرب في منطقة الشرق الأوسط التي عمرها يقارب القرنين من الزمن دون أن ينجح أي طرف في المنطقة حاول أن يتحداها أو يكسر أي مسلمة من مسلماتها سواء كان عربياً أو فارسياً أو تركياً، ولهذا فإن ما تحاول فعله إيران في حالة نجاحه يعد في نظر الغرب خرقا يتسع على الراتق وحدثا جللا بالغ الخطورة، لأنه سيشكل منعطفا تاريخيا لن تبقى بعده علاقات الغرب مع هذه المنطقة على ما كانت عليه منذ أن وطأت ترابها أقدام جيوشه الغازية.
تتمثل خطورة ما تواجهه إيران في أنها مضطرة إلى الاصطدام مع المحظورين معا، وهما محظوران بالنسبة للغرب لا يستثنى منهما أي طرف عربيا أو أعجمي.
أول هذين المحظورين هو مبدأ الإخصاء: وهو أحد أهم مسلمات استراتيجية قوى أوروبا الاستعمارية الكبرى، التي استحلت دماء وجغرافية ومقومات شعوب المنطقة قبل أن تنضم إليها الولايات المتحدة بعد قرن من الزمن، وهذا المبدأ يعنى ضرورة إخصاء كل الكيانات السياسية التي أنشأوها في المنطقة، أي عدم السماح لأى كيان بامتلاك القدرة العسكرية التي تجعله قادرا على الدفاع عن نفسه في مواجهة قوة الغرب إذا ما قرر هذا الأخير استخدام القوة ضد أي من هذه الكيانات لسبب أو لآخر يتعلق بمصالح الغرب وسيادته وهيمنته، وبالتالي فإن حيازة المعرفة والتكنولوجيا المتعلقة بالقدرات العسكرية يعد محرما ومن أكبر الكبائر أو خطأ أحمر بلغة العصر التي يستخدمها دونالد ترامب ونتنياهو هذه الأيام.
إذن هذا المحرم يقتضي أن تكون كل كيانات الشرق الأوسط السياسية عربية كانت أو فارسية أو طورانية داخل حظيرة يمتلك الغرب فقط إقفال بابها أو فتحه بالقدر الذي يراه يخدم مصالحه ولا يتعارض مع محرمات وثوابت استراتيجيتة ابنة انتصاراته العسكرية على هؤلاء والتي كانت ثمرة تفوقه المعرفي والعلمي والمادي منذ القرن الثامن عشر.
من هنا جاءت المعضلة الإيرانية، فإيران بصرف النظر عن طبيعة نظامها السياسي، هي إحدى الأمم الحضارية العريقة في العالم والمنطقة التي لها طموحاتها وتطلعاتها ولا تريد أن تكون داخل هذه الحظيرة تحت رحمة الغرب وإسرائيل، فأرادت أن تبني قوتها الذاتية للدفاع عن هذه الطموحات والتطلعات وعن مكتسباتها المادية والاقتصادية في مرحلة اتسم فيها النظام الدولي بالفوضى وسيادة منطق القوة.
بما أن الولايات المتحدة هي الوريث لهذه الاستراتيجية في المنطقة، فهي التي تصدت لمحاولات خرق إيران لمحرم الإخصاء، بينما ظلت أقوى أوروبا الاستعمارية الكبرى ـ رغم غضبها من موقف ترامب إزاء الحرب الأوكرانية تنظر بعين الرضا إلى تهديدات ترامب العسكرية لإيران لكي تتراجع وتعود إلى حظيرة الإخصاء التي صممها جنرالاتها وسياسيوها منذ غزوات الاستعمار الأولى.
ذهب الرئيس ترامب رفقة إسرائيل إلى حرب ظنها لا تتجاوز بضعة أيام بناء على حسابات وقراءات غير دقيقة، فلما اكتشف هذا الخطأ اضطر أن يجارى إسرائيل في همجيتها، فصعد واستخدم ما لدى الولايات المتحدة من قوة دمار تقليدية ليمحو إيران من على الخريطة حسب تعبيره، ولا شك أن الولايات المتحدة تستطيع أن تمحو إيران من على الخريطة إذا ما استخدمت قوتها غير التقليدية، ولكن في هذه الحالة قد تمحو المنطقة بكاملها ومعها مصالح الغرب الحيوية، ولهذا فإنه أخذ يراوح بين دبلوماسية مخادعة وتصعيد همجي بأسلحة تقليدية وغزو بري لا يريده الأميركيون ولا يثق هو في نتائجه البعيدة.
أما المحظور الثاني الذي وجدت إيران نفسها في مواجهته، فهو يتعلق بإحدى أدوات الاستراتيجية الغربية والمتمثل في إسرائيل، فمن البديهي أن التعرض لأدوات أية استراتيجية هو في الواقع استهداف لها هي أيضا، وبالتالي فإن طموحات إيران وتطلعاتها ودفاعها عن نفسها تقودها جميعا بالضرورة للاصطدام بإسرائيل ككيان وظيفي مدجج بأعتى أسلحة الغرب التكنولوجية لتمكينها من أداء دورها المناط بها في استراتيجية من بين مسلماتها مبدأ إخصاء كل كيانات المنطقة والإبقاء على إسرائيل كفحل وحيد يصول ويجول ويعربد ويتبلطج بحسب ما يطلب منه الغرب الذى أنشأه لهذه المهمة حسب سردية ومقولات توراتية تبرر وجوده وديمومته على حساب تشريد شعب آخر عن وطنه وطرده إلى مخيمات اللجوء والانقراض في المنافي البعيدة.
لهذا فإن أي اصطدام بهذا الكيان ولو من قبيل الدفاع عن النفس يعد اصطداما بالغرب، ولقد رأينا كيف هرع الغرب بقضه وقضيضه في الثامن من أكتوبر العام 2023 في فزعة مشهورة لم يتأخر فيها أحد من قادته على إثر انتفاضة فصيل مقاوم ضد جرائم الاحتلال الإسرائيلي، الذي يهدد ما تبقى من الشعب الفلسطيني بالتهجير والانقراض.
لقد أدى تبني الغرب غير المشروط لإسرائيل إلى تضخم ذاتها وذهابها الى تحقيق أوهام توراتية تعطيها الحق في امتلاك الشرق الأوسط أرضاً وبشراً، ومن المنطقي أيضا أن تصطدم إيران كأمة صاعدة بطموحاتها وتطلعاتها، بالمشروع الإسرائيلي الذي لا يقبل بخروج أي كيان في المنطقة من حظيرة العبيد المصممة على مقاس مصالح الغرب الحيوية، ولذلك فإن الولايات المتحدة وإسرائيل أثناء هذه الحرب الهمجية تطلبان من إيران التخلي عن صناعتها النووية والصاروخية والتساهل معها في عدا ذلك، لأن قبول إيران بهذين الشرطين أو هزيمتها عسكريا يعني للغرب وإسرائيل عودة العبد الآبق إلى حظيرة العبودية المحشور فيها كل جيرانه القانعين بما يشاء الله لهم وبما يفعلانه بهم الغرب وإسرائيل.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات