نستطيع وصف هذه الحرب باللعبة الرقمية المكلفة في سباقها مع مفاعيل الحداثة المرعبة، سقط خلالها قادة إيرانيون كبار وجنرالات حرب، وخسائر عسكرية واقتصادية كبيرة لا تقدّر بثمن. في المقابل تلقّت أميركا وإسرائيل دروساً معنوية قاسية نالت كبرياءهما ومن تكنولوجيا أسلحة القوّة الرقمية واستعراضاتها في سماء الشرق الأوسط!
على الرغم من تكاليف الحرب الباهظة والحسابات الخاطئة لنتائجها الواقعة، فقد تمنّى الجميع نهايتها على عتبات الخيبة والخذلان. فقد ابتعدت أوروبا ونأت بنفسها عن نيران هذه الحرب وإن تأذّت بها اقتصادياً نتيجة إغلاق مضيق هرمز. كما أن كل العالم، شرقه وغربه، وقف على الحياد من نتائج هذه الحرب الخارجة عن القانون الدولي والإنساني، ويصبح لزاماً على ترامب وحليفه نتنياهو دفع فاتورتها الباهظة سياسياً، وهو الأمر الذي جعلهما يعيدان حساباتهما في عصبيات الوقت الصعب مع آخر خسارات الأسبوع الرابع!
بعيداً عن كُل التحليلات السياسية والعسكرية حول هذه الحرب ومآلاتها، والتي كانت، بعناوينها عبر السيوشال ميديا، مُجرّد أخبار مصوّرة لعمليات إنتاج فيلم ضخم في فضاء الخليج، ليبقى إعلان وقف الحرب مُجرّد خبرٍ أيضاً كما البداية.. غير أن الأمر اللافت، ليس في تورّط «ترامبنياهو» في مأزق الحرب وحجم خسائرها، وإنما في موقفهما من صدمة تحويل إيران بوصلة الحرب إلى معركة أخرى يكون العالم فيها حليفاً لإيران، وهو عنوان النجاة من الاختناق في «مضيق هرمز» الورقة الاقتصادية الرابحة لوقف الحرب السمائية والدخول في مفاوضاتٍ على الأرض لإنقاذ الاقتصاد العالمي.
إن الرجل الأهوج في البيت الأبيض وهو يستشعر الهزيمة، سيتظاهر بالنصر وهو الخاسر، وسيتقاسم هذا النصر المزعوم مع حليفه الصهيوني الذي انكسر عناده باقتراب الصواريخ الإيرانية من «ديمونة» بعد إصابات تل أبيب وإيلات.. ونقول حتماً ستنهي الحرب مخلّفة خسائر فادحة، ولكن لا منتصر فيها سوى ببيانات الكذب. وستترك وراءها خلافات سياسية عميقة بين أميركا وإسرائيل وأوروبا والدول الكبرى دائمة العضوية، وبين إيران ودول الجوار التي كانت في مرمى النيران، وسيكون العداء في منطقة الخليج موقفاً سياسياً صارماً، وسلوكاً أمنياً حذراً قد ينفجر اجتماعياً ودينياً في أي لحظة، وهو أمر محمود لدى أميركا وإسرائيل اللذين تركا وميض النار في الساحة مشتعلاً، ولتبقى إيران غولاً جاثماً في منطقة توتُّر تستدعي دفع المزيد من المال لحمايتها!
إن أخطر ما يُمكن أن تخلّفه هذه الحرب، ليس في خرائط الدمار الهائل والاغتيالات الكبيرة؛ بل في التحوّل العميق الذي تخلّفه في الوعي السياسي لدى دول المنطقة. فإيران التي أرغمت على خوض معركتها المفتوحة، لم تكن تقاتل وحدها من موقع المواجهة الدفاعية، بقدر ما كانت تفرض نفسها كقوة فاعلة، قادرة على زعزعة الاستقرار الإقليمي متى شاءت، وهو ما جعل الجغرافيا المحيطة بها تشعر، لأول مرة، بأنها ليست مُجرّد محيطٍ صامت، بل جزءٌ من ساحة الاشتباك الفعلية!
لعلّ دول الجوار الإيراني قد أدركت أن الحروب الحديثة لم تعُد تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات؛ بل بالقدرة على تهديد المصالح الحيوية لاقتصادات المنطقة، مثل الممرات البحرية وسلاسل الطاقة واستقرار الأسواق. وهنا، تحديداً، لم تكن ورقة «هرمز» مُجرّد أداة ضغط يهدّد الاقتصاد العالمي، بل إعلاناً صريحاً بأن إيران تستطيع، في لحظة توتُّر، إعادة تعريف قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية. وهذا ما جعل الحياد الذي اختارته أوروبا حياداً قلقاً، أقرب إلى الانتظار الحذر منه إلى الموقف السيادي حيال الحرب من الأساس!
في المقابل، لم تكن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حرباً عسكرية ضد «النظام الإيراني» بقدر ما كانتا تخوضان معركة الهيبة والغرور. فالتفوق العسكري، حين لا يُترجم إلى حسمٍ سياسي، يتحوّل إلى عبءٍ رمزي، ويكشف هشاشة القوة حين تُختبر خارج مسارحها التقليدية. لذلك، بدا أن ما سقط في هذه الحرب لم يكن فقط قادة سياسيين وعسكريين ومواقع للرادارات ومنصّات الصواريخ الدفاعية، بل صورة الردع ذاتها، التي لطالما شكّلت أساس النفوذ الغربي في المنطقة.. وعلى الرغم من خسائر إيران لمخزونها من عتادها الحربي، فقد خرجت بمعادلة معقّدة، فهي لم تنتصر، لكنها لم تُهزم أيضاً.
وهذه «اللا-هزيمة» بالذات، حملت في طيّاتها بذور عزلةٍ إقليمية أعمق. فالدول التي كانت تتعامل معها ببراغماتية حذرة، باتت تنظر إليها كخطرٍ كامنٍ لا كشريكٍ محتمل. وهنا تحديداً، يتجلّى الربح الخاسر في قوّة تتعزّز عسكرياً، لكنها تتآكل سياسياً واجتماعياً في محيطها، خاصة مع التحوّل المفروض على راديكالية الدولة وتاريخ تأثيرها العقائدي في عددٍ من مجتمعات دول الجوار.
لعلّ المفارقة الأكثر قسوة، أن هذه الحرب أعادت إنتاج الانقسام داخل المنطقة نفسها. فبدلاً من أن تكون لحظة مراجعة جماعية لمفهوم الأمن الإقليمي، تحوّلت إلى فرصة لتعميق الشكوك المتبادلة، وإحياء السرديات الطائفية والمخاوف التاريخية من إذكائها. وهو ما يجعل العداء الذي كسبته إيران ليس مُجرّد موقف سياسي عابر، بل حالة نفسية ممتدّة، قابلة للتحوّل إلى صراعات طائفية داخلية في أكثر من بلد، لتواكب دون أن تدري بوصلة التغيير الجغرافي لمخطّط تقسيم المنطقة.. وفي هذا السياق، تبدو النتيجة النهائية للحرب أشبه بفراغٍ استراتيجي، لا غالب فيه ولا مغلوب، بل شبكة معقّدة من الخسائر المتبادلة، والشكوك المتصاعدة. فالولايات المتحدة من جهتها ستعيد تموضعها، وإسرائيل ستعيد حساباتها الأمنية، وأوروبا ستزداد حذراً، بينما تبقى المنطقة، بكل هشاشتها الأمنية، رهينة توازنات إقليمية مؤقتة، قابلة للانفجار في أي لحظة!
وهكذا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الحرب، ليس في من ينتصر، وماذا سيتغيّر؟.. لأن الجواب ببساطة مقلقة، أن الجميع خسر شيئاً من استقراره، بينما ربحت المنطقة سبباً إضافياً للقلق الدائم بين مجتمعاتٍ طائفية في أنظمةٍ سياسية هشّة تفتقر لأدنى مقوّمات المواجهة العسكرية بعد فقدانها السيطرة على اقتصادها بسبب رهانها الخاسر على من كان سيحميها، وخسر المعركة!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات