«حلوات» العيد
كل عام وأنتم بخير.
ليس للعيد وطن. العيد مثل السحاب، يترحّل متنقلاً من بلاد إلى بلاد، بأسماء مختلفة وعادات وتقاليد متنوعة. وسواء تغيّرت الأسماء أو تنوّعت اللغات، يظل العيد هو العيد، رمزاً للبهجة، ومكرّساً لإشعال قناديل الفرح في قلوب البشر، وتخفيف وطأة فظاظة العيش عنهم، وبحقهم في الترويح أياماً قليلة.
في تعريف العيد، يقول ابن منظور في «لسان العرب»: هو كل يوم يجمع الناس، واشتقاقه من «عاد يعود»، كأنهم عادوا إليه. وقيل: من «العادة» لاعتيادهم إياه. والعيد هو الوقت الذي يعود فيه الفرح والحزن (أو ما يعود من همٍّ أو شوق). وجمع العيد أعياد، وهو اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد.
ربما لهذا السبب يقول الليبيون، مهنئين بعضهم بعضاً في الأعياد: «عُقبى لداير».
في زمنٍ مضى وتولّى، كانت عجائزنا يُغنّين فرحاً لدى انتهاء شهر الصوم: «عُقبى لداير عيدكم سعيدة.. رمضان سافر لبلاد بعيدة». تلك البلاد البعيدة هي أيضاً المكان الذي يقصده العيد حين تنتهي أيامه، ويجمع متاعه ويرحل مغادراً الديار إلى أخرى تنتظره.
في سنوات الطفولة والصبا، كان للأعياد عندي، سواء أكانت دينية أم وطنية، علامات وروائح. لكل عيد علامة ورائحة. تلك العلامات والروائح لا تقتصر عليّ وحدي، بل هي بارزة وواضحة لي ولغيري من حولي؛ الفرق أن هناك من يُبدي اهتماماً بها، ويقابله في الجهة الأخرى من يتجاهلها ولا يُوليها انتباهاً. والأغلب، في رأيي، أنها لافتة لاهتمام الأطفال والصبيان من الجنسين أكثر من البالغين، لما يعدهم به العيد من بهجة وفرح؛ ولهذا السبب ينتظرون قدومه بفارغ الصبر، ويتصيدونه باقتفاء أثره، وبما يميّزه من علامات.
رائحة «الحلوات» في طرابلس هي الرائحة المميزة لقرب حلول عيد الفطر، وكأن «الحلوات»، المتمثلة في الكعك والغريبة والمقروض، هي أفضل هدية يمكن أن يحضرها عيد الفطر في صِرَارِه الكثيرة إلى كل من يترقبون بصبر حضوره.
رائحة «حلوات» عيد الفطر مميزة. رائحة تفتح شهية النفوس للحياة، وتعد بأيامٍ محلّاة بما لذّ من حلو. تلك الرائحة، حين تنتشر في الأجواء، فإنها علامة على قرب حلول العيد. وغالباً ما يكون ذلك في الأسبوع الأخير من شهر الصوم، حين تبدأ الأمهات في التجمع والتعاون في عجن العجين وغيره من المكونات، ووضعها في «سُفَر» واسعة؛ حيث يتكفّل الأولاد والبنات بنقلها إلى الأفران، والانتظار حتى تجهز، ثم يعودون بها إلى البيوت. تلك الرائحة يشمّها المرء في الأزقة التي تتموضع فيها الأفران، أو لدى مروره عرضاً بصبيان وصبيات عائدين من الأفران، حاملين على رؤوسهم سُفَر الحلويات.
لا أعرف إن كانت الأمهات ما زلن يتنادين ويلتقين كل ليلة في بيت، ويعملن معاً كفريق من أجل تجهيز تلك الحلوات. الدنيا تغيّرت، وأدرك أن أهلها تغيّروا، والذين منهم يرفضون التغيير ويتشبثون بالبقاء في نفس المكان والزمان «يأكلهم المالح». في الأوقات الحالية، يمكن لكل ربّة بيت أن تشتري من أنواع الحلويات ما تشاء إذا توفر المال؛ فمكالمة هاتفية واحدة كفيلة بالمطلوب.
علامة اقتراب العيد بالنسبة لي صغيراً كانت تبدأ من نقطة تجمع الأمهات كل ليلة في بيت من البيوت، بغرض التعاون في «طقس» إعداد حلوات العيد.
كان تقسيم العمل ضرورياً بين الآباء والأمهات في كل بيت استعداداً للعيد؛ ربات البيوت ينشغلن بإعداد وتجهيز الحلوات، وأرباب البيوت ينشغلون بشراء وإحضار لوازمها، وبأخذ الأولاد والبنات إلى الأسواق لشراء «حوايج» العيد. وهناك أيضاً مهمة أخذ الأولاد الذكور إلى دكاكين الحلاقين لجزّ شعر الرؤوس؛ حيث يتولى كل أب سوق أبنائه، مثل الخراف أو الجديان، أمامه إلى أقرب دكان حلاقة.
في حالتنا، كان أبي (رحمه الله) يسوقنا أمامه بعد صلاة العشاء والتراويح إلى دكان حلاقة صغير في «الحارة الصغيرة»، ويتولى عمي أبوحسينة (رحمه الله) تلك المهمة. وكان أبي يجلس منتظراً في المقهى المجاور، يحتسي قهوته ويدخن، إلى أن ينتهي عمي أبوحسينة من مهمته.
بهجتي وفرحتي بقدوم العيد ذهبتا إلى حيث لا أعرف، وبقيت رائحة حلوات العيد عالقة في ذاكرتي مثل بندول، يتحرك آلياً صعوداً وهبوطاً لدى اقتراب حلول العيد.
كل عام وأنتم بخير.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات