ليست محاولة جريئة فقط، بل إسقاط، فعلى الرغم من أحادية الرؤية، لكنه أعطى زخما ثقافيا للنقد الذي تلاشى في ليبيا كثيرا من سنوات لغياب النقاد. إن الخوض في الدولة العميقة بالذات ظل شأن السياسيين أكثر، لأنه توجه وامتلاك لأبعاد المفهوم الذي بدأ يسري في عروق المجتمعات التي واجهت وتعايشت مع الاستبداد السياسي، والعنف، والشيفونية.
«الدولة العميقة» مصطلح يُستخدم لوصف شبكة غير رسمية من مراكز النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وهى تُمارس تأثيرا مستمرا في صنع القرار بغّض النظر عن التغيرات التي تقع وتؤثر في المشهد السياسي القائم.
المصطلح، كما يقول عبد الله العروي، «لا يشير عادة إلى كيان قانوني، بل إلى نفوذ غير ظاهر يعمل خلف الكواليس». في «شط الحرية»، مسلسل فتحي القابسي، أصبح الليبيون ينتظرون عرضه، كي يستمتعوا بالفكاهة للنقد القائم على رؤى للكاتب.
ومن برنامج البسباسي لم يحظ عمل فني بمثل هذا الاهتمام من قِبل المشاهدين، حيث اختزل فتحى القابسي رؤيته للدولة العميقة في ظاهرة المرأة في المجتمع، وقوة سلطتها داخل بيتها، وتأثيرها على الرجل الذي تتقلص صلاحياته كثيرا بسبب هيمنة السيدة الأولى، وهو قمع داخلي له علاقات وجذور تراثية، ومن هنا برزت تلك السطوة التي هي وجه آخر للدولة العميقة، وهى السلطة التي لا يحاسبها أحد، ولا يقف أمامها تيار، ولا جبهة نفوذها أحد.
أصبحت السلطة الحقيقية خلف الأبواب وهم ينفذون فقط، ومرجعيتهم تلك التعليمات التي تأتي حتى تصبح واقعاً «فى الظل تدار المعارك الخفية دائماً». 1 شخصيات «شط الحرية» كانت هابطة في مواجهة سياسة الأمر الواقع، لهذا لم تستطع تخليق موقف ما للرفض أو التمرد على السائد، وهو ما يقوله بعض نقاد المصطلح بأنه قابل للتسييس، وما سهولة استخدامه إلا لتبرير الإخفاقات، ناهيك عن غموض التعريف. لهذا، فالرمزية في تصوير النساء كقوة خفية قد ترمز إلى تأثير غير مرئي داخل البنية الاجتماعية. كما أن المفارقة الكوميدية ليست سوى قلب للصورة النمطية السائدة «المجتمع الذكورى»، لإنتاج صدمة أو نقد ساخر.
برزت أعمال درامية تناولت فكرة الدولة العميقة بصور رمزية وساخرة، لكن ظل خلط المفهوم السياسي مع سلطة المرأة في المجتمع يخلق نوعا من المفارقات دون الأولى في كثير من الأعمال الدرامية العالمية والعربية حتى في شكل فانتازيا.
مسلسل «نساء حائرات» 2 قدم شبكة من العلاقات النسائية المؤثرة، لكن في إطار اجتماعي وليس سياسيا، وأيضا مسلسل «الحاج متولي» 3 للفنان نور الشريف الذي قدم شخصيات نسائية، لكنه ناقش قضايا اجتماعية بأسلوب درامي إنساني. أما «شط الحرية» فهو تأهيل معرفي للعقل قبل الخلط بين السياسة والقضايا الاجتماعية. جرس صغير بأن السياسة حينما تُمارس في بلدان «العالم الثالث» بتنمر ورؤية ضيقة الأفق، وخيارات ليست وطنية، لا يمكنها أن تبني مشروع بناء لأمة.
1- الصحفي محمد حسنين هيكل في حلقة من برنامجه على قناة الجزيرة.
2- المسلسل الأمريكي لكاتبه مارك شيري عمل جمع بين الدراما الكوميدية الغموض والتشويق «desperate housewives».
3- مسلسل مصري كوميدي إنساني.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات