Atwasat

التسويات الدولية: دايتون والصخيرات (1-3)

أحمد معيوف الجمعة 13 مارس 2026, 12:07 صباحا
أحمد معيوف

في أحاديثي المتعددة مع الدبلوماسي السابق في بعثة ليبيا للاتحاد الأفريقي والسفير السابق في البوسنة، صديقي الدكتور «عريبي الهلود»، شدني كثيراً شكل التدخل الأممي لعلاج مشكلة البلدين ليبيا والبوسنة، ومن الطرائف التي رواها لي عند تعيينه سفيراً لليبيا في البوسنة أن أوراق اعتماده كانت باسم رئيس الفترة التي تسبق تقديمه لها، لكن لأن هيكل النظام الرئاسي في البوسنة مكون من 3 أعضاء يتعاقبون على الكرسي الرئاسي بواقع 8 أشهر لكل منهم، وأن تعيينه تم في اليوم السابق لتغير الرئيس، فقد تطلب الأمر إعادة صياغة أوراق الاعتماد لتحمل اسم الرئيس التالي، هذه أزمة!.

الثورات والحروب والأزمات التي تصيب بعض الدول، ينتج عنها دول جديدة ضعيفة هشة وغير متماسكة. ويخرج عن التسويات السياسية كيانات تحمل ملامح الدولة لكنها لا تمتلك سيادتها الكاملة ولا تحتكر القوة. هذا النموذج يصفه الباحثون في حقل السياسة بمصطلح «الدولة الهجينة»، دولة تجمع بين مؤسسات رسمية معترف بها دولياً وسلطات موازية تفرض واقعاً مختلفاً على الأرض. وتقدم تجربتا البوسنة بعد اتفاقية دايتون (1995) وليبيا بعد اتفاق الصخيرات (2015) مثالين بارزين عن هذا النمط.

الذي أردت طرحه في مقالي هذا هو أن أبين أوجه الشبه والفروق في الحالتين لنتعرف على إمكانية حل الأزمة الليبية والتكهن بنهاياتها على ضوء الوضع الذي يعيش فيه هذان البلدان كواقع أنتجته اتفاقية دايتون لحل قضية البوسنة واتفاقية الصخيرات لمعالجة الحالة الليبية. دعنا أولاً نستعرض أهم بنود الاتفاقيتين ودور هذه البنود على الواقع.
اتفاقية دايتون (1995):

تم التوصل إلى هذه الاتفاقية برعاية أميركية لإنهاء الصراع الإثني في البوسنة والهرسك، من أهم بنودها:
- مجلس رئاسي مكون من ثلاثة أعضاء، كل عضو يمثل إثنية (مسلم، كاثوليكي، وأرثوذكسي)، يتم انتخابهم لمدة أربع سنوات، يتناوبون فيها على الرئاسة كل ثمانية أشهر.
- حكومة مركزية تختص بالسياسة الخارجية، والتجارة والهجرة والجمارك، بينما يتمتع الكيانان بصلاحيات واسعة داخلية. (الكيانان هنا هما، البوسنة والهرسك ذات التركيبة الإثنية المتعددة والكيان الثاني هو الكيان الصربي).
- دستوراً يضمن حقوق المكونات الثلاثة.
- ضمان حق اللاجئين والنازحين في العودة إلى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم.
- إنشاء مكتب الممثل السامي للإشراف على تنفيذ الشق المدني للاتفاقية.
- برلمان ثنائي الغرف، يضم 42 عضواً، يحصل فيه المسلمون والكروات على ثلثي المقاعد، بينما يحصل الصرب على الثلث.

اتفاقية الصخيرات (2015)
هذه الاتفاقية تمت برعاية أممية في مدينة الصخيرات وأهم بنودها:
- مجلس رئاسي مكون من 9 أعضاء، رئيس المجلس يترأس أيضاً مجلس الوزراء. ويمثل المجلس بمكوناته السلطة التنفيذية الموحدة، وتكون مهامه قيادة القوات المسلحة، ومقره طرابلس.

- يشترط إجماع رئيس مجلس الوزراء ونوابه في القرارات، وفي حال التعذر، يُعتمد التصويت بأغلبية مجلس رئاسة الوزراء.
- الاعتراف بمجلس النواب (المنتخب 2014) كجهاز تشريعي وحيد للبلاد.

- تشكيل مجلس أعلى للدولة يتكون من أعضاء المؤتمر الوطني السابق، يتولى مهام استشارية وإبداء الرأي الملزم في مشاريع القوانين.
- الالتزام بوحدة ليبيا وسيادتها، ورفض التدخل الأجنبي وتفعيل المؤسسات الأمنية والعسكرية (الجيش والشرطة) تحت سلطة الدولة، والعمل على إخراج التشكيلات المسلحة من المدن، وجمع السلاح تحت إشراف لجنة أمنية متخصصة.

- بدء مرحلة انتقالية مدتها 18 شهراً، قابلة للتمديد ستة أشهر أخرى في حال عدم إنجاز المهام، تنتهي بانتخابات برلمانية جديدة.
- تضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري الليبي ليمنحه قوة قانونية ملزمة لجميع المؤسسات.

ملتقى الحوار السياسي جنيف - تونس (2021)
التعثرات التي اعترت اتفاقية الصخيرات وحرب طرابلس دفعت المجتمع الدولي كنتيجة للمجهودات التي قام بها الدكتور غسان سلامة ونائبته ستيفاني وليامز على عقد مؤتمر برلين وإنشاء «ملتقى الحوار السياسي الليبي» لإدخال بعض التعديلات على اتفاق الصخيرات حتى يلائم مرحلة ما بعد الحرب. قدّم الحوار تطويراً هيكلياً وآليات عملية لتجاوز الانسداد السياسي ومن أبرز ما أضافه:

- إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وإنتاج سلطة تنفيذية منفصلة عنه، يفترض أن تكون موقتة مرتبطة بإنجاز الانتخابات وموحدة شملت رئيساً للمجلس الرئاسي ونائبين له، ورئيساً للحكومة.

- وضع الملتقى «خارطة طريق للمرحلة التمهيدية للحل الشامل»، استهدفت التجهيز لانتخابات وطنية تنهي الفترة الانتقالية.

- لم يقتصر الحوار على ممثلي «مجلس النواب» و«المجلس الأعلى للدولة» كما في الصخيرات، بل شمل 75 عضواً يمثلون أطيافاً سياسية واجتماعية أوسع.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»