طوال تاريخنا كنا أرض عبور بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، حتى إن المدن الليبية، وكذا الأرياف والبوادي، لم تكن عبر آلاف السنين إلا محطة مؤقتة للعبور باتجاه محطة أخرى أو مستقر آخر. بل إن سرديات غالبية الليبيين لجذورهم وأصولهم غالبًا ما تعود إلى جغرافيا أخرى غير هذه الأرض. الغالبية تقول إنهم إما من الجزيرة العربية أو من الأندلس أو من تركيا أو من القوقاز. من النادر أن تجد أحدًا في ليبيا يقول إن جذوره تعود لهذه الأرض، فالكل قادم من بعيد، والكل عابر استوطن.
ليبيا، ومنذ الجفاف العظيم، تحولت بالنسبة للأمم الأخرى، خاصة الأفريقية، إلى محطة ليس أكثر. بل حتى أهلها، طلبًا للماء، هاجروا باتجاه منابعه وخاصة مصر، غزاة ونازحين ومهجرين.
ليبيا، وبعد الاستقلال واكتشاف النفط، تحولت إلى أرض واعدة بحياة أفضل، فعاد كثيرون من مهاجريها إليها، واستقطبت الكثير من الجيران الباحثين عن العمل.
ليبيا، ومنذ ستينيات القرن الماضي، استطاعت إدارة هذا الحراك، فضبطت حدودها وسيطرت على إدارتها على نحو ضمن سلامتها.
في تسعينيات القرن الماضي، انفتحت ليبيا على أفريقيا، وفتحت حدودها لكل الأفارقة؛ فلا تأشيرات للدخول، ولا إجراءات إقامة أو عمل. بل صارت بلدًا مشرعًا للأفارقة وقبلهم للعرب. ومع ذلك، كانت ليبيا تدير كل هذا على نحو معقول، رغم ما شكله هذا الانفتاح من تهديد للصحة والأمن والاقتصاد. لم يكن هذا الانفتاح وهذا التكدس للأفارقة في ليبيا بالنسبة للنظام الليبي إلا سلاحًا لاستخدامه ضد الدول الأوروبية شمال المتوسط. كان الأفارقة القادمون إلى ليبيا في غالبهم لا يرونها ملاذًا أو مستقراً أو حتى مصدرًا لحياة أفضل، بل لم تكن بالنسبة لهم إلا محطة للعبور نحو أوروبا للعمل والاستقرار.
كان النظام الليبي، طوال التسعينيات وحتى 2011م، قد أنشأ وسمح بإنشاء تنظيمات تهريب للبشر غير رسمية وغير مصرح بها. فكان المهربون، إن لم يكونوا جميعًا تحت إدارة وإشراف الأجهزة الأمنية، يفتحون مراكز تجميع المهاجرين ويديرونها براحة تامة، وكانوا يملكون قوارب التهريب إلى أوروبا. كان تهريب البشر إلى أوروبا يشكل بالنسبة للنظام الليبي ورقة ضغط، وأحيانًا سلاحًا لإحداث تغيير ديموغرافي في أوروبا العجوز.
ورقة الضغط الليبية هذه سببت لليبيا الكثير من المشاكل، فالأزمة لم تكن كلها للتصدير؛ فقد استقر كثير من المهاجرين هنا، ونال الكثير منهم الجنسية وحقوق الليبيين، ليشكلوا قوة اجتماعية وسياسية لا يُستهان بها.
مافيات الاتجار بالبشر والتهريب تمكنت أيضًا في ليبيا، وارتبطت بمافيات عالمية، ولم تعد إلا فرعًا وعميلاً لتلك المافيات، حتى إن مصالحها صارت تعني أولًا مصالح تلك المافيات الأجنبية بغض النظر عن مصالح البلاد.
مع تفكك وشبه انهيار الدولة الليبية، تغولت تلك المافيات أكثر، وكبرت معسكرات احتجازها للمهاجرين والاتجار بهم، وزاد تدفق المهاجرين إلى أوروبا، وشكل أزمة للحكومات الأوروبية، مما جعل تلك الحكومات تلجأ إلى حل لتلك الأزمة بالعمل على تحويل «الفراغ الليبي» إلى مكب مثالي للمهاجرين. فذلك لن يكلفها شيئًا، بل تتولى ليبيا تكاليف إقامتهم وحراستهم ومنعهم من الوصول إلى أوروبا. وهكذا يتحول سلاح ليبيا ضد أوروبا إلى سلاح ضدها، ويتحول المهربون الليبيون إلى حراس لسواحل أوروبا لحمايتها من طوفان المهاجرين.
هذا الانقلاب الذي قامت به أوروبا، وصادرت فيه هذا السلاح منا ووجهته لكياننا الجريح المفتت، حول مهربينا ومافياتنا ليس لحراس لأوروبا فقط، بل إلى وكلاء، أو بتعبير أوضح عملاء، يقودون غزوًا ضد بلادهم ليدمروا ما تبقى من كيان وأرض لنا.
مافيا تهريب المهاجرين الليبية كان دورها ترحيل المهاجرين إلى خارج ليبيا، كانت تقبض الأموال مقابل تلك الخدمة من المهاجرين، وكان النظام يرعى ذلك ويسهله لها. الآن انقلبت تلك المافيا وتحولت إلى حارس مأجور يعيد المهاجرين إلى «المكب الليبي»، بكل ما يترتب على ذلك من مشاكل اقتصادية وصحية وديموغرافية على البلاد.
هذه المافيا المأجورة لحراسة أوروبا وإغراق ليبيا بالمهاجرين كبرت، وامتلكت المال والسلاح، وتحولت إلى عملاء لدول أجنبية لتخريب البلاد، بل صار لها دور في تشكيل ليبيا من جديد كمكب لكل النفايات.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات