Atwasat

الحرب.. ظاهرها وباطنها!

سالم الهنداوي الخميس 12 مارس 2026, 04:13 مساء
سالم الهنداوي

وإن لم يكن عسكرياً، فثمة تشابه سلوكي فاضح بينه وبين هتلر وموسوليني وستالين الذين قادوا الحقب التاريخية للنازية والفاشية والشيوعية.. ولكن بعد عقود طويلة عن تلك الحروب الميدانية، ومع هذا الانفتاح التكنولوجي الرقمي الهُلامي، وهذه الخوارزميات المذهلة في إدارة المعارك والحروب، فإن رجل الحرب «المدني» قد يكون مهووساً بمجرياتها وهو لا يعلم بمصيرها العسكري. وهذه هي الحقبة «الترامبية» السيئة التي تشهدها البشرية اليوم، وهي صدمتها الحضارية، في التاريخ الحديث!

كانت الحروب العالمية عظيمة في زمانها، وكاسحة في ميادين القتال، لأنها تنتصر على الأرض بقدرات الجنود وخبرة جنرالاتهم، وليس بكبس الأزرار من غرف وثيرة.. فهذه الحرب المنتجة بروح الأفلام الهوليودية، هي حرب الفضاء الهُلامي التي ما إن تفرغ ذخيرتها الموجهة، تنتهي بيد من يمتلك المزيد من البرمجيات. وقديماً كان الجنود الملطخون بالوحل عند دباباتهم على جبهات القتال، حين يخسرون المعركة، يرفعون بنادقهم الفارغة كعلامة للاستسلام، بينما اليوم تتجه «الميديا» لمن يملك الاحتفاظ بالمسيرة الأخيرة، وبالصاروخ الأخير في السماء الفارغة!

هذه الحرب التي لم ولن تحقق أهدافها بين كل الأطراف، أحرقت ملايين الدولارات، بل المليارات، في السماء وعلى الأرض، في استعراضات قوة ماحقة لا نهاية لها ولا انتصار حتميا لأحد أطرافها، وهي وإن توسعت وطالت مصالح دول المنطقة، فلأنها الحرب الشاملة التي لا تستثني أحداً من مرمى نيرانها، وبها قد يحترق الصديق قبل العدو، بخاصةٍ في ظل أوامر سياسية رعناء لا قواعد لها في تاريخ الحروب.. ويبدو أنها ستنتهي فجأة بفاتورة تكاليف باهظة تتحملها دول المنطقة دون سواها!

لقد قامت الحرب الداهمة واغتالت على الفور إمبراطور الدولة الفارسية في عقر داره، دون تنديد دولي بلسان الأمم المتحدة ولا منظمات العالم الإسلامي، ولا الحقوقي. وكأن لا أحد يجرؤ على انتقاد حملة «ترامب» في الشرق الأوسط، لا بوصفها السياسي ولا الديني ولا حتى الاقتصادي، وفي غيابٍ واضح لدور الكنيسة والمشيخة الإسلامية في مشهد نادر تداخلت فيه العقائد الدينية بالمواقف السياسية والانحيازات غير المنطقية، وقد كان صمت الجميع أمام هذه الحرب، تعبيراً واضحاً عن مدى غموضها ومآلاتها، فترك الجميع النار تشتعل في السماء لتنتهي إلى خسارة.

إن أخطر ما في هذه الحرب الارتجالية، ليس حجم الدمار الذي تُخلفه فحسب، بل طبيعة الوعي المختلف الذي تنتجه في الاحتمالات. فالحرب القديمة، على قسوتها ووحشيتها، كانت واضحة المعالم في جبهاتِ قتالٍ ميدانية، بجيوش ودبابات تتقدم أو تتراجع، ومدن يجري تحريرها أو احتلالها.. أما اليوم، فإن حرب الأيقونات تتحرك في فضاءٍ غامضٍ، يكاد يُشبه الفكرة أكثر مما يُشبه المعركة ذاتها. فهي حرب بلا جبهة محددة وواضحة المعالم، وبلا تعريف نهائي للعدو.. حتى إن الشعوب التي تمر بسمائها المسيرات والصواريخ، لا تعرف بحجم الأخطار الحارقة التي تسقط عليها من السماء!

لقد تحولت الحرب في الشرق الأوسط، من فعلٍ تاريخي واضح، إلى ظاهرةٍ وجودية ملتبسة، كأنها اختبارٌ جديد لطبيعة السلطة في العصر الرقمي المتهور.. فالسلطة، منذ القِدم، كانت بحاجة إلى الحرب كي تُعيد ترتيب العالم وفق مصالحها، وهي مضطرة إلى أن تُبرر حروبها أخلاقياً أو عقائدياً أو قومياً. أما اليوم، فقد تراجعت الحاجة إلى التبرير، لأن الحرب لم تعُد تُقدم بوصفها قدراً مأساوياً، بل كعملية تقنية باردة، تُدار كما تُدار الأسواق والبورصات وصالات القمار.. وفي هذا التحول العميق مع الظاهرة «الترامبية» الهوجاء، لم يعُد الجنرال هو الشخصية المركزية في مسرح الحرب، كما هتلر وموسوليني وستالين، أو نابليون ورومل ومنتغمري، أو حتى ديغول وتشرشل من الجنرالات السياسيين، بل حل محله الخبير التكنولوجي، ومهندس الأنظمة الرقمية، ومدير الشبكات الاستخبارية، تحت الإرادة السياسية.. وإن الجندي الذي كان يواجه الموت وجهاً لوجه في ميدان القتال، تحول إلى مُشغلٍ خلف شاشة، يضغط زراً في غرفةٍ مكيفة، فيُسقط مدينة كاملة على بُعد آلاف الكيلومترات. وهنا تحديداً تتبدى المفارقة الأخلاقية الكبرى، فالمسافة التكنولوجية التي تفصل القاتل عن ضحيته، لم تُخفف من قسوة الحرب، بل جعلتها أكثر برودة وتجريداً، وأكثر قابلية للاستمرار.. ولذلك فإن الحرب الحديثة، في جوهرها، ليست حرباً بين جيوش، بقدر ما هي حرب بين أنظمةٍ معرفية مغامرة، وبالتالي فهي صراع بين من يمتلك القدرة على إنتاج التكنولوجيا، ومن يُجبَر على استقبال نتائجها.. ولهذا السبب تبدو المعارك اليوم وكأنها تدور في طبقاتٍ غير مرئية من العالم، بين الأقمار الصناعية وشبكات البيانات، وبين منظومات الذكاء الاصطناعي التي ترصد الأهداف وتصيبها دون تردد!

من تحديات هذه الحرب الرقمية يمكن فهم هذا الصمت العالمي الذي يحيط بها، وبغموض أهدافها. فالعالم، في الحقيقة، لم يعُد يملك موقفاً أخلاقياً واضحاً منها، بالمعايير التقليدية للعدالة تحت شرائع القانون الدولي. إنها حروب تُخاض تحت عناوين أحادية فضفاضة، مثل الأمن العالمي ودعم السلام والاستقرار الاقتصادي. وكلما اتسعت هذه العناوين بيد من يملك القوة، تضاءلت قدرة البشر على مساءلتها.. ولقد أدركت القوى الكبرى، منذ زمن، أن الحروب التي تُخاض باسم المبادئ، قد تُثير مقاومة أخلاقية، أما الحروب التي تُخاض باسم الضرورة التقنية، فإنها تبدو مُجرد إجراءات روتينية لا بد منها. وهكذا يتحول العنف إلى إجراء إداري، وتتحول المأساة الإنسانية إلى أرقام في تقارير الأخبار!

أمام مظاهر هذه الحرب غير الأخلاقية، يقول التاريخ، إن الحروب التي تبدأ بلا معنى واضح، تنتهي غالباً بآثارٍ تتجاوز كل حسابات الذين أشعلوها.. ذلك أن الحرب، مهما تغيرت أدواتها، تظل فعلاً إنسانياً محكوماً بنوازع القوة والطموح والخوف من الخسائر. وما دامت هذه النوازع هي التي تدير العالم، فإن التكنولوجيا لن تُلغي مأساة الحرب، بل ستجعلها أكثر تعقيداً وغموضاً.. وهنا يكمن السؤال الفلسفي الذي لم تُجب عنه الحروب الحديثة، وهو هل أصبحت الحرب وسيلة لإدارة العالم كما قناعة «ترامب» المريضة، أم أن العالم نفسه بات يعيش داخل حربٍ دائمة، بلا نهاية؟.. وبهذا المعنى فإن كان القرن العشرون قد عُرف بقرن الحروب الكبرى، فإن القرن الحادي والعشرين سيُعرَف بقرن الحروب الصامتة. حروبٌ لا تُرفع فيها الرايات، ولا تُعلَن فيها الهزائم، بل تستمر في الخلفية، كأنها جزءٌ طبيعي من حركة التاريخ!

لعل أخطر ما في هذا كله، أن البشرية قد تعتاد هذا الشكل الجديد من العنف وغطرسة القوة التي انتهجتها شخصية «ترامب» العدائية، وكرسها في العَلن كمفهوم وسلوك سياسي، فتتقبله البشرية بوصفه واقعاً لازماً لا يمكن تغييره.. وعندها لن تكون الحرب، أي حرب، مجرد حدثٍ عابر في التاريخ، بل ستصبح نظاماً دائماً لإدارة العالم، تُضبط فيه الموازين بالنار، وتُكتب فيه السياسات بظل الصواريخ الموجهة، بينما يقف الإنسان، في النهاية، متفرجاً على مصيره المجهول، كما لو أنه يشاهد فيلماً طويلاً عن حربٍ طويلة، لا يعرف متى بدأت، ولا كيف ستنتهي!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»