Atwasat

وطني في حقيبتي

ناجي جمعة بركات الأربعاء 11 مارس 2026, 05:40 مساء
ناجي جمعة بركات

ليس لأنني مسافر وفي غربة مستمرة، بل لأن الأوطان غالبًا تُنسى على المقاعد إن لم نحملها معنا. أفتّش عنه كل صباح بين الجوارب القديمة وأوراق الهوية المنتهية وفي صوري وحقيبة يدي، فأجده مطويًّا كرسالة لم تصل بعد، أو في صورة مختزلة بذاكرتي. كلما كبر الحنين صغرت الخريطة، وكلما اتّسعت الخُطب ضاق الوصف، وكلما فكرتُ في وطني زاد الاشتياق إليه. الأوطان تُنسى أحيانًا على المقاعد إن لم نحملها معنا بحرص العاشق وخوف اليتيم.

تركت في وطني قلبًا على بئر جدي، وتركت وطني في شوارع مدينتي، لكنني لم أنسَ جماله ولا جمال من أحببت يومًا. فالوطن لا يهجر، بل نحن من نهجره، كما نهجر أعزّ الأحباب حين يثقل علينا الفراق.

تعلّمتُ أن أضع وطني تحت رأسي كوسادةٍ في محطات الانتظار وفي سريري، وأن أستعمله تذكرةَ ذهابٍ بلا عودة، وأن أحكي حكايته لأبنائي كي لا يضيع. يقولون: الوطن أمّ. وأنا لم أرَ أمًّا تُفتَّش عند الحدود، أو تُوزن مع الأمتعة الزائدة، أو يُسأل ابنها عن سبب حبه لها. لهذا دائمًا الوطن حنون بقدر ما هي الأم حنونة على أبنائها بكل صنائعهم وأفعالهم.

في المطار، يمرّ الناس خفافًا أمامي، ينظرون إلى حقيبتي، بينما أجرّها كأنها تاريخ كامل يئنّ فوق عجلات صغيرة. يطلب الشرطي أن أفتحها، فأخاف أن تتبعثر الشوارع على الأرض، وأن تسقط الورود من دفاتر الربيع، وأن يهرب العلم مذعورًا من كثرة الأسئلة، أو تنهار المعالم فوق طاولة التفتيش. لهذا أحتضن حقيبتي، لأن وطني فيها.
وطني ليس علمًا يرفرف فوق بناية.

بل رعشةُ يدٍ تبحث عن عمل، وصوتُ بائع يصرخ في آخر النهار، وامرأة تلمّ الغسيل قبل المطر، وطفل يجرّ عربته في شوارعها ويصرخ بأعلى صوته «وطني سرقوك»! وحين أقول إن وطني في حقيبتي، لا أعني أنني أملكه، بل أعني أنه مهدد بالضياع إن تركته لحظةً وحده.

وطني ليس كلمة تُقال عند الحاجة، ووطني لم يضع في قلوب أبنائه الشرفاء، ولكن خذله أبناؤه من السَّفَلة والأنذال، وباعوه للأجنبي، وتركوه يضيع بين أقدام جند السلطان ودسائس العم سام وتجار البمبا.

لهذا أكتب. لا لأمدح، بل لأشاطر هموم وطني؛ فالأوطان لا تحتاج قصائد بقدر ما تحتاج عدلًا. أكتب لأتأكد أن حقيبتي ما زالت مغلقة جيدًا، وأن الوطن لم يتسرّب منها على شكل دمعةٍ في عين مسافر، أو حرقةٍ في قلب أبٍ فقد ابنه لرفع الظلم عن أبناء وطنه.
وطني ما زال في حقيبتي، وسوف يرجع كما أريده، وتغيب عنه غمامة التقسيم والانقسام، ويتسلمه أبناؤه الشرفاء.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»