في إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي، عرضت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، تقييماً صريحاً لحالة الانسداد السياسي، مشيرةً إلى تعثر المسار الانتخابي واستمرار الانقسام المؤسسي. ولتجاوز هذا الوضع، أعلنت البعثة عن توجه نحو تشكيل لجنة مصغّرة لمعالجة نقاط الخلاف، باعتبارها أداة محتملة لكسر الجمود.
غير أنّ هذا الطرح، رغم دقته في توصيف الأزمة، يكشف إشكالية أعمق تتصل بمنهج إدارة العملية السياسية ذاتها. فبين الإقرار بحالة الانسداد واللجوء إلى صيغ بديلة، يبرز سؤال محوري: هل تمثل هذه المبادرات مدخلاً فعلياً للحل، أم أنها تعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة وتحت مسميات مختلفة؟ لقد أثبتت التجربة الليبية مع الأجسام «المؤقتة»، من لجنة «6+6» إلى لجان بوزنيقة وغيرها، أن ما يُطرح كحل مرحلي سرعان ما يتحول إلى عنصر إضافي في معادلة التعقيد، لا إلى أداة لتفكيكها.
استناداً إلى المعطيات الراهنة، يمكن تصور ثلاثة مسارات قد يُدفع بالبلاد نحوها:
أولاً: مسار «إدارة الأزمة بدلاً من حلها»
يقوم هذا المسار على إعادة تدوير الآليات ذاتها التي أثبتت محدوديتها. فطرح «لجنة مصغّرة»، أو أي آلية انتقالية بديلة، قد يبدو محاولة عملية لتجاوز التعثر، لكنه يحمل خطر فتح مسار موازٍ يزيد المشهد تعقيداً ويؤجل معالجة جوهر الصراع المتعلق بالشرعية وتداول السلطة. في هذه الحالة، تصبح المقاربة أقرب إلى «تسكين» الغضب الشعبي بترتيبات مؤقتة ريثما تتفاهم النخب، بما يطيل المرحلة الانتقالية دون أفق زمني واضح للانتخابات.
ثانياً: مسار «الاستقرار مقابل إعادة توزيع النفوذ»
يتجسد هذا المسار في البحث عن صيغة تنفيذية جديدة برعاية دولية، تتحول فيها العملية السياسية من مسار انتخابي إلى آلية لإعادة ترتيب موازين القوى وتقاسم الحصص. وهنا يُخشى أن ينزاح دور أي سلطة جديدة من التمهيد للانتخابات إلى إدارة توازنات مالية وسياسية بين مراكز النفوذ. ورغم أن هذه التوافقات قد تُسوَّق باعتبارها مدخلاً للاستقرار، فإنها تنطوي على مقايضة خطرة: استقرار مؤقت مقابل تكريس منظومة تقاسم الثروة والنفوذ، بما يعمّق عوائق التحول الديمقراطي.
ثالثاً: مسار «الاستثمار في السلام المستدام»
وهو المسار الذي يجري تغييبه دائماً لصالح الحلول المؤقتة؛ مسار ينطلق من معالجة القضايا البنيوية للأزمة: إنهاء الانقسام المؤسسي، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإرساء قاعدة دستورية واضحة تحكم المرحلة المقبلة. في هذا السياق، لا تُمنح السلطة بوصفها «تسوية» أو «ترضية» بين قوى الأمر الواقع والمعرقلين، بل تُستعاد الشرعية عبر عملية تأسيسية تنبع من الإرادة الشعبية مباشرة. إن الاستثمار الحقيقي هنا ليس في بقاء الأجسام السياسية، بل في إنتاج عقد اجتماعي جديد ينهي حالة «إدارة الألم» ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات، بعيداً عن صفقات المحاصصة التي لا تورث إلا مزيداً من الهشاشة.
إن ما قدمته البعثة الأممية من طرح إنشاء لجنة مصغّرة قد يكون استجابة تفرضها المعطيات الحرجة والانسداد القائم، غير أن الدفع به بمعزل عن تصور متكامل لسيناريوهات تعثره، وهو احتمال وارد في ظل تعقيد وتشابك المشهد الليبي، يجعله مقاربة منقوصة. فالأجدر أن يُرفق هذا الخيار بمسار بديل واضح المعالم، يستند إلى قاعدة تمثيلية أوسع وأكثر شرعية، مثل الدعوة إلى مجلس تأسيسي، أو إعادة إحياء فكرة المؤتمر الوطني الجامع التي طُرحت ضمن مبادرة المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا، غسان سلامة، بوصفها محاولة لإعادة توجيه العملية السياسية نحو منبع مشروعيتها الحقيقي: الشعب.
ليبيا اليوم ليست أمام معضلة أمنية تفرض حلولاً استثنائية خارج الأطر المؤسسية، بل أمام حالة تعنت سياسي ناجمة عن غياب الإرادة لدى الأطراف الفاعلة. غير أن الوضع الجيوسياسي المعقد، وما يشهده الإقليم والعالم من إعادة تشكيل للولاءات وموازين النفوذ، يفتح في الوقت ذاته نافذة مهمة لإعادة تموضع ليبيا ضمن إطار جديد أكثر توازناً واستقلالية. فإعادة ترتيب مراكز القوى الدولية والإقليمية لا يجب أن تُقرأ فقط كعامل ضغط، بل يمكن استثمارها كفرصة لإعادة تأسيس المسار السياسي على قاعدة وطنية صلبة.
وعليه، فإن أي مسار دولي لا يتضمن بديلاً تأسيسياً يعيد ضبط المرحلة على أسس دستورية وتمثيلية واضحة، سيظل يدور في فلك «دورات انتقالية» متعاقبة، تُجمّل الأزمة وتؤجل انفجارها، لكنها لا تعالج جذورها، ولا تستثمر التحولات الجارية لصالح بناء دولة مستقرة ذات سيادة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات