تتعدد أسماء النفايات في معاجم لغتنا العربية. ولعل أكثر التسميات تداولًا وشيوعًا: كناسة، زبالة، قمامة، قذارة، وحثالة. ولكل تسمية مصدر اشتقاق لغوي؛ فالكناسة انسلت من الجذر «كنس»، والزبالة من «زبل»، والنفاية من «نفي»... إلخ. وبقدر ما تشترك هذه الأسماء في الدلالة على انعدام القيمة حين تشير إلى فضلات لا لزوم لها، سواء أكانت منزلية أم زراعية أم صناعية، بقدر ما تتباين من حيث الحمولة المعلنة والمسكوت عنها؛ فلكل اسم حكاية تخصه وحده. بعضها يتعلق بحتمية العلم، بحسب مشيئة قانون الفيزياء، حيث إن كل شيء في الوجود مآله إلى قمامة، بما في ذلك الإنسان نفسه حين ينتهي أجله. وكذلك الأوطان عندما تتعرض للكوارث، من زلازل وأعاصير وحروب وجوائح، فتفقد أسماءها وعناوينها، وتبقى رهن المنفى، محض خرب مهجورة.
لعل القارئ الجيد لرواية مائة عام من العزلة يتذكر أيام تلك المتاهة، عندما أُصيبت «ماكوندو» بطاعون النسيان، وكيف خشي الأب «خوسيه أركاديو بوينديا»، إثر تمادي فقدان الذاكرة، أن تتحول المدينة بقضها وقضيضها إلى قمامة، فسجل على كل شيء اسمه بفرشاة مغموسة بالحبر: طاولة، كرسي، ساعة، باب، حائط، سرير، مقلاة، عنزة، خنزير، دجاجة، شجرة. وعلّق على غارب البقرة لافتة للتذكير: «هذه هي البقرة، يجب حلبها كل صباح لكي تعطي الحليب، والحليب يجب أن يُغلى لكي يُخلط بالقهوة، فنحصل على قهوة بالحليب». وفي الشارع الرئيس سينتبه العابر إلى لافتة تحمل عبارة: «الله موجود».
في العاصمة طرابلس، خلال الأيام الأولى من أحداث فبراير 2011، وفي أكثر الأحياء السكنية اكتظاظًا، أُلصقت على حاويات القمامة صور ورسومات ساخرة تمثل عددًا من الوزراء والسفراء المنشقين عن «دولة الخيمة»، موسومة بإشارة (X)، مع عبارة باللون الأحمر تقول: «إلى مزبلة التاريخ». فكنت، رغم الرصاص الطائش، وشحّ الخبز، وأزمة المحروقات، ووهن الجسد، أعود إلى البيت بخيال ضاحك، فقط لمجرد التفكير في أن كيس القمامة خاصتي سيحظى برفقة وزراء الوطن وسفرائه في رحلتهم التاريخية. لكن ما إن أُطيح برأس النظام حتى تولّى بعضُ من كانوا منبوذين قيادةَ الفوضى، ثم نهبوا الجمل بما حمل، ولم يتركوا لنا شيئًا سوى الخوف، والمرض، ومثالب الفتن، ونتانة المزبلة.
في كلتا الواقعتين، «عزلة ماركيز» و«متاهة الربيع الليبي»، سيجد الكنّاس نفسه أمام مفارقة عجيبة بين محاولة إيقاظ الذاكرة ونفيها، عندما يبدو منظر كيس قمامة أمام واجهة بيت، أو على رصيف شارع عام، أكثر تعقيدًا من بساطته الظاهرة، بوصفه مخزن معلومات، بما يحتويه من سيمياء لا تقف عند حدود تذكيرنا بأن كل ما هو حي مآله إلى زوال. فثمة أيضًا علامات أخرى بالغة الخصوصية ترتبط تحديدًا بأهل القمامة، تنطوي على عينة صالحة لحدس السارق ومحقق الشرطة، مع احتمال وجود عظام يسيل لها لعاب كلب جائع. وكذلك مادة خام تجذب ساردًا دربة لتنضيد رواية دسمة، على غرار ما فعله الكاتب التشيكي «إيفان كليما» في رائعته حب وقمامة. وفي ذات اللحظة يمكن للزبالة نفسها أن تتحول إلى مشروع فلسفي وحفريات جسورة، مثلما ذهب إليه المفكر الإنجليزي «جون سكانلان» في كتابه القيّم: النفايات: مدخل إلى الشك والخطأ والعبث.
تطلق مدونات الحكمة الشعبية لمعظم شعوب المعمورة على المال وسم «وسخ الدنيا»، كهجاء مضاد لفحش الثروة وخداعها ووهمها، وصيغة مجاز للمال بوصفه مصدر تلوث أخلاقي، وعامل فتنة توطّن البغض وتفرّق الجماعات، ومفسدًا للذمم، ومحرضًا على ارتكاب الجرائم وفعل الخيانة بكل مشتقاتها. وحسبًا لهذا الخزي سيفقد المال بهاءه كزينة للحياة الدنيا، ليندرج في خانة النفاية، وقد أمسى مجرد عفن مقرف، عفن لا غير.
في الضفاف الأخرى، تكرّس المجتمعات الأكثر تنظيمًا إمكاناتها لهزيمة القمامة في معارك مصيرية تُخاض غالبًا، ليس كمجرد فعل مضاد لحماية البيئة من التلوث فحسب، وإنما لانتشال القمامة من حالة العدم وإشراكها مجددًا في منظومة القيمة ومسيرة الاقتصاد، من خلال إعادة تدويرها؛ لتمرّ بعمليات فرز وتصنيف وانتخاب عبر خطوط إنتاج، تكون محصلتها أكثر من مادة خام، تدخل بعد ذلك في صناعة الحديد، والأثاث، وأدوات البناء، والزراعة، والقرطاسية، واحتياجات الورش والمطابخ... إلخ.
أشرت في المستهل إلى أنه من الطبيعي جدًا أن تؤول المادة، بحسب قانون الفيزياء، إلى نفاية. بيد أن الأمر المحير أن تنشأ النفاية مجازًا عن فعل أخلاقي كريه، حين يُجرَّد الإنسان من إرادته وأحلامه ولغته، ويتحول إلى جزء من مخلفات لقيطة، بهيئة «رابش» داخل مستوعبات ضخمة تحتوي على شتى أصناف أوساخ الدنيا، التي يصعب كنسها أو إعادة تدويرها؛ إلا إذا افترضنا إعادة تدوير الفوضى باعتبارها فضاءً متخيلًا من سلالة الواقعية السحرية، لا فضاءً حقيقيًا يحتمل تعايشًا آمنًا يجمع كلا من غارسيا ماركيز وبابلو إسكوبار في مكان واحد، من دون أن يهدد أحدهما وجود الآخر.
لأن الحرب هي كل ما نملك،
لم يبقَ لي أحدٌ من أصدقائي.
عامل القمامة وحده من يطرق الباب باسمًا،
ويعتذر عن إزعاجي كل صباح.
إذ ذاك سأبدو ممتنًا لوجود القليل من النفايات
في خريف العمر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات