Atwasat

تبعات الفكر الحر في ظل القمع

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 08 فبراير 2026, 01:45 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

يوسف كرم (1886-1959) أستاذ فلسفة له عديد المؤلفات في تاريخ الفلسفة والفلسفة، وهو واحد من أهم المرموقين في هذا المجال على مستوى الوطن العربي. تمتاز كتاباته بالتركيز، والاختصار غير المخل، والعمق والوضوح.

بين يدي الآن كتابه «تاريخ الفلسفة الحديثة»*، الذي يبدأ فيه ببعض فلاسفة ومفكري عصر النهضة، لأنهم يشكلون «عتبة» الفلسفة الحديثة.

وفي هذا السياق، جدير بنا التنويه إلى أن الثورة الفكرية في عصر النهضة الأوربية تولدت من داخل جدران الكنيسة، فأصابتها بالتصدع والإحراج، وإن لم تنهِ هيمنتها، وكان الجدل يدور حينها حول علاقة الكنيسة والمبادئ الدينية المسيحية بفلسفة أرسطو، وكان هؤلاء المفكرون الجدد يشنون حملات قاسية وانتقادات عديدة على أرسطو وفلسفته، وضمنا على الكنيسة. وقد عانى هؤلاء المفكرون الأحرار المرارات والعنت وسوء المصير.

فالإيطالي جوردانو برونو (1549-1600) كان راهبا، ويصفه يوسف كرم بأنه «أبرز ممثلي روح (النهضة) في الفلسفة، روح التمرد وروح النشوة بالكون الجديد المتسع إلى غير حد». لكن أوقعت عليه الكنيسة حرما بسبب آرائه الجريئة والمخالفة مبادئ العقيدة المسيحية، فـ«عمل على رفع الحرم عنه، وأظهر الندم على ما فرط منه». واعتُقل لأكثر من ست سنين في روما، ثم أُعدم حرقا، و«كان إلى النفس الأخير رابط الجأش، مصرا على عناده، حتى إن كاهنا مد إليه صليبا فرده».

راهب آخر هو تومازو وكبانيلا (1568-1639) اعتُقل وعُذب شديد العذاب، وقضى سبعا وعشرين سنة سجينا بنابولي.

نكتفي بهذا القدر من استعراض كتاب يوسف كرم «تاريخ الفلسفة الحديثة»، لكننا نريد الإشادة بهؤلاء المفكرين الأحرار الذين تحملوا مسؤولية آرائهم بروح الإباء ولم يخونوا، في النهاية، ضمائرهم الحرة، ومن هنا امتد أثرهم إلى الأجيال اللاحقة من الفلاسفة والمفكرين، واتخذ تاريخ الفلسفة والفكر مسارا تراكميا وتحولات نوعية، إلى جانب مسار التطور العلمي، وكانوا أصحاب الخطى الأولى «في رحلة الألف ميل» على طريق ترسيخ حرية العقل وحرية التفكير، ونزع نير الاحتكار عن العقل وحرية التفكير، اللذين هما أثمن ما يميز الإنسان، ولا يمكن أن يتقدم الإنسان ويزدهر، فكريا وعلميا، إلا بهما.

* يوسف كرم - تاريخ الفلسفة الحديثة - الهيئة المصرية العامة للكتاب - 2017



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»