يقال شعبياً: فلان «اسْتَرْدَفْ» أي صار رديفاً. الكلمة «رديف» قديمة في اللهجة المحكية الطرابلسية، وتُنطق «رْدِيفْ»، وأضحت مهجورة في السنوات الأخيرة، ومكانها حلت كلمات بديلة، لكنها لا تزال حاضرة في ذاكرة كبار السن. وهي وصف يُنسب إلى شخص لا يحترم الأعراف الاجتماعية، ويتسم سلوكه بسوء الخلق وقلة الأدب والوقاحة؛ وجمعها «مَرْدِفْ» على وزن «مَفْعِل».
وفي القواميس العربية تعني الكلمة: الصاحب، أو المرافق، أو التابع، أو من يركب خلف القائد. لكن أُزيح المعنى الأصلي وأصبحت سُبّة وشتيمة. وتاريخياً، وفق ما ذكرته المصادر، ظهرت الكلمة وانتشرت في ليبيا خلال مرحلة العهد العثماني الثاني، في ولاية الوالي أحمد راسم باشا الثانية (1881-1895)، وهو من أصل تركي جزائري.
خلال فترة حكمه تلك، أسس جيشاً احتياطياً «رديفاً» من الليبيين، بهدف تعزيز الوجود العثماني وتقليل اعتماد الولاية على الجنود المرسلين من إسطنبول، خاصة في مواجهة الأعباء المالية والتحديات اللوجستية، من خلال تكوين قوة عسكرية محلية من أبناء المدينة ومختلف القبائل التي تدين بالولاء للدولة العثمانية. وقد فتحت إجادته للغة العربية أمامه سبل التواصل مع الأهالي.
تمكن راسم باشا من تنفيذ مجموعة كبيرة من الإصلاحات شملت الجيش (تأسيس الرديف)، والإدارة، والمالية، والبنية التحتية، والتعليم. ومن جهة أخرى، كان تأسيس جيش الرديف جزءاً من سياسة الإصلاحات العسكرية العثمانية المعروفة باسم «التنظيمات"، والتي هدفت إلى تحديث الدولة في فترة حرجة كانت السلطنة تحاول فيها تعزيز قبضتها في مواجهة الضغوط الاستعمارية الفرنسية والبريطانية، والنزعات المحلية نحو الحكم الذاتي.
وإلى ذلك الجيش المحلي يعود الفضل في إزاحة الكلمة من معناها الأصلي إلى معناها المحلي العامي. والسبب في ذلك يعود إلى أن جنود الرديف لم يكونوا محترفين؛ بل كانوا مزارعين وحرفيين يجري تجنيدهم للخدمة العسكرية بملابس رثة وأسلحة قديمة مقارنة بالجيش النظامي. ارتبطت الكلمة في ذهن الطرابلسيين بـ«المظهر غير المنضبط» و«الهزال العسكري». وكان الناس ينظرون إلى «الرديف» على أنهم «سُخرة» يُساقون للخدمة رغماً عنهم، مما جعل الانتماء لهذا الجيش مدعاة للشفقة ثم للسخرية لاحقاً. ومع اقتراب الغزو الإيطالي، فشلت قوات الرديف في تقديم صورة القوة الرادعة، فصارت الكلمة تطلق على الشخص الذي «لا يُعوّل عليه» أو «المهزوز».
لكن هذه التفسيرات قد لا تتسق تماماً مع مصادر تاريخية أخرى ترى أن أفراد جيش الرديف لجأوا إلى السرقة والتعدي على الممتلكات لتعويض عجز الولاية عن دفع مرتباتهم، خاصة بعد مغادرة راسم باشا في 1895. وهو، في رأيي، التفسير الأصح كونه يتسق والمعنى الذي كان شائعاً في الحياة اليومية، كما عرفته شخصياً خلال صباي ومراهقتي؛ حيث كانت الكلمة تعني الشخص الذي لا يحترم القيم ولا يتوانى عن ارتكاب الموبقات.
لم يكن معروفاً عن «الرديف» في الستينيات أو السبعينيات الضعف، فكل من عرفت من «المَرْدِف» لا يفرون من مواجهة، وأغلبهم يتحدون المجتمع علناً، وجلهم أميون وعاطلون عن العمل. واختفاء الكلمة اليوم لا يعني اختفاء «الرديف» من حياتنا العامة؛ فلكل زمن «مردفه». «مردف» هذه الأيام يطلق عليهم الناس أوصافاً عدة؛ تراهم يحبون مماراة الأثرياء بالسيارات الفاخرة والساعات الذهبية، وبعضهم صاروا بعد انتفاضة فبراير 2011 يتبوأون مناصب عليا في الإدارات والبرلمانات شرقاً وغرباً، وبعضهم الآخر اختار إطلاق اللحى وتقصير السراويل لتغيير صورتهم الخارجية فقط.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات