Atwasat

الجلطة السياسية!

ناصر الدعيسي الإثنين 26 يناير 2026, 05:25 مساء
ناصر الدعيسي

ليست كل الأزمات السياسية عابرة. بعضها يشبه الصداع الموقت وبعضها الآخر أقرب إلى الجلطة التي تصيب القلب حتى يصبح الجسد أمام الخطر المحدق. والفرق بينهما أن الأزمة تربك الدولة وأيضا فريقها. وحتى مؤسساتها الأمنية والرأي العام فيها وإعلامها وهو سلاح بيادقها. أما الجلطة السياسية فإنها تُعطل وتُشل الحركة، وقد تُوقف تدفق الحياة داخل شرايين السياسة، وتجعلنا نقف في حيرة من أمرنا. كي نتساءل هل ما نعيشه أزمة سياسية عابرة أم جلطة كاملة أصابتنا؟ وجعلتنا نبحث عن طبيب قلب ماهر في السياسة كي يعيدنا إلى تشخيص ما نحن فيه وحقيقة المرض السياسي الذي انتابنا.

أي هل نحتاج لقسطرة مبكرة كي لا تنغلق الممرات الآمنة، وتتدفق للشرايين الرؤى النظيفة والصادقة أم سوف نذهب للدعامات، وهي التي تُبعدنا عن جراحة القلب المفتوح وتداعياته المؤلمة؟؟ ومنها يتم التدوير السياسي كي يوجد من يُعيدنا عاجلا على السكة والقطار معا. الجلطة السياسية هي تلك اللحظة الفارقة التي تَفقد فيها الدولة أو النظام أو السلطات الحاكمة القدرة على الاستجابة حين تُصبح القرارات شُمولية اللون السياسي. والخطاب الرسمي منفصلا كليًا عن الواقع، وليس هناك أُفق كي يُصبح ضوءا في نهاية النفق. كما أن الجلطة السياسية لن تُصبح قدرًا محتومًا. يقول محمد عابد الجابري (1) «العقل السياسي أسير البنية التقليدية التي تقدس الحاكم وتخلط بين الحكمة والسلطة» وحينما تأتي الجلطة سيكون العقل أحد ضرباتهَا لأنه ما زال يُراهن على الخرافة والتقليد. ناهيك عن أننا في أوطان لا يتم فيها التداول السلمي على السلطة بل السلطة هي التي تتداول على الشعوب.

والعلاج هنا مُمكن وليس مستحيلا في علم السياسة قبل الطب، وعلى الرغم من أنهم لا يَحتاطون أحيانًا لعودتها المريبة، والمكلفة فهي تجعل الدولة تَفقد توازنها، وتفقد النظام والسلطة القدرة على التناغُم مع ميكانيزمات المجهول. الجلطة السياسية كي نتجاوز محنتها فإن الأسبرين ليس الوحيد لعلاجها فقد تطور علاج الجلطة السياسية في العالم إما بديمقراطية التناوب أو بإصلاحات سياسية يتم تخليقها بالحوار لا الصمت على الكائن والواقع السيئ، وتجعل القلب يتصدى لأي جلطة قادمة.

يقول «أنطيويو غرامشى» السياسة تُشفى بالحوار وليس بالصمت على مساوئ الواقع» (2) والسؤال الذي سَيظل عالقا في الذاكرة: هل ماتت السياسة بسبب الجلطة السياسية أم أنها ما زالت تقاوم من غرفة إنعاش، وهل الذي نعيشه اليوم تَعب وإرهاق سياسي عابر يوجع قلوبنا فقط؟ لهذا تتأكد حتمية عودة الجلطة في أي وقت لهذا الوطن الممزق. طالما غابت روح المواطنة الصادقة. وانسدادات المشهد السياسي القائم بأجسام سياسية انتهت شرعيتها.

------------------
1- محمد عابد الجابري. العقل العربي. مركز دراسات الوحدة العربية بيروت- طبعة 16.
2- أنطونيو غرامشي. دفاتر السجن.
ورسائل من السجن. 1929-1935.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»