Atwasat

الاستشارة والنصيحة

آمنة القلفاط الإثنين 26 يناير 2026, 03:43 مساء
آمنة القلفاط

كثيرٌ من الناس استغنوا عن النصائح المجانية، معتبرين إياها تدخّلًا في الحياة الخاصة، واستبدلوها بمكاتب الاستشارة رغم غلاء فواتيرها. تتنوع مكاتب الاستشارة وفق المطلوب: سياسية، قانونية، طبية، أسرية، هندسية، تجارية، عقارية، وغيرها، ويُحدَّد الثمن وفق أهميتها ودرجة المستشار وحنكته.

الفرق بين النصيحة والاستشارة أن الأولى رأي شخصي في مسألة معيّنة، تُقدَّم طواعية من أي شخص، قد يقتنع بها المتلقي ويقبلها، أو لا يستسيغها فتمرّ مرور الكرام. أمّا الاستشارة فهي أكثر رسمية وعمقًا، وتتطلّب فهمًا وتفكيرًا وتفاعلًا مشتركًا بين الطرفين حول موضوع الاستشارة، وتركّز على جانب محدّد أو مسألة بعينها.

يُقال في اللغة: كلّ شيء خَلُص فقد نَصَح، والنُّصح من نَصَح الثوب نَصْحًا، لأن الناصح يرفأ ويُصلح حال المنصوح له. أمّا المشورة فهي من الفعل «شاور»، وتعني تبادل الآراء مع ذوي الخبرة والاختصاص بهدف الوصول إلى أفضل القرارات.

تتنوع الاستشارات ويتخصّص المستشارون وفق المجال المطلوب وحساسية ودقّة الموضوع. وغالبًا ما يصل المستشار إلى الخبرة المطلوبة بعد سنوات طوال من العمل في تخصّص معيّن وخبرة عملية طويلة، يتخلّلها نجاحات وسيرة عمل مشرّفة.

بعض أسماء المستشارين معروفة على مستوى العالم، ويُستعان بهم في القضايا الشائكة والمعقّدة في مختلف المجالات. وعادةً ما يمارس المستشار عمله بعد التقاعد، إذ تتطلّب الاستشارة خبرة عملية طويلة.

وفي أحيان كثيرة يمارس المستشار عمله من خلال مكاتب استشارة خاصة وفق التخصّص المطلوب، وتُتاح خدماتها على مستوى العالم وفي كل وقت، مع الاحترام التام لخصوصية الزبون.

سبق للنظام السابق الاستعانة بتوني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، كمستشار سياسي براتب كبير، بهدف تلميع صورته الدولية ومواجهة التحدّيات الدولية التي كانت تهدّد استمرار حكمه. واستمرّت فترة استشارته حتى فبراير 2011، حيث جرت آخر مكالمة بين الطرفين. كان النظام آنذاك في أمسّ الحاجة إلى الاستشارة، لكن يبدو أنّها جاءت عكس ما كان يودّ سماعه في ذلك الوقت.

في كل الدول الديكتاتورية تبدو وظيفة المستشار مهمّة ثقيلة ومحفوفة بالمخاطر، ذلك لأن الاستشارة المطلوبة يجب أن تكون على قياس صاحبها، مع ضمان نتائجها لصالحه. ويتحمّل المستشار كافة التداعيات التي تنتج عن أي خطأ، إذ تُعلَّق عليه كل النتائج غير المرغوبة.

الاستشارة عملٌ يُمارَس وله وصف وظيفي وتخصّصات محدّدة، ويُستعان بالمستشار لإيجاد الحلول المناسبة التي ترتقي بالمؤسسة. وسمعة المستشار لا تحتمل التأويلات الخاطئة وسوء التقدير، لذلك تُعدّ الخبرة والاطلاع الدائم والدهاء أسلحة المستشار المتمكّن.

يختلف الأمر مع الاستشارة في بلادنا ليبيا، إذ تأخذ شكل الترضية في كثير من الأحيان. فجُلّ المستشارين في دوائر الدولة ليست لهم هياكل وظيفية محدّدة، وغالبًا ما يتم تعيينهم بشكل انتقائي. لا يُعوَّل عليهم ولا يُستعان بهم لقلّة الدراية والخبرة المطلوبة، وربما تسبّب تكدّس أعدادهم في فقدان البوصلة الصحيحة نحو أداء مؤسسي سليم، فكما يُقال في المثل الليبي الدارج: «كثرة الريّاس تغرق المركب».

النصيحة قد يتطوّع بها أي شخص، لكنها ليست مُلزِمة. ومن البديهي أن تأتي من ذوي خبرة وحنكة، وإلّا فلا معنى لها. وقد يُربكنا سيل النصائح، خاصةً إذا كانت من غير ذوي الخبرة وتأتي كالسيل دون حاجة إليها. يأخذها البعض وكأنها رأي وشطارة، ويتطوّع بها كإثبات جدارة دون طلب، وكثرتها تُفسد الأمر، كالدواء إذا أُخذ دفعة واحدة.

يقدّم بعض الآباء في مجتمعاتنا سيلًا من النصائح في كل صغيرة وكبيرة، ويُفترض بالأبناء الاستماع والتنفيذ دون نقاش. كما تدخل نصائح بعض الأمهات من باب الوجوب وطاعة الوالدين الملزمة دون شروط، ولا تُعدّ تدخّلًا في الخصوصية. يتدرّج الأبناء في سلّم العلم ويختبرون الحياة ومجالاتها المختلفة، وقد يعمل بعضهم في مجالات الاستشارة والقضاء ويخبر فنون الحياة، لكن الأخذ بنصيحة الأم والأب واجب لا مناص منه لنيل رضا الوالدين. هذا ما اصطلح عليه في مجتمعنا، الذي وضع الأمور في غير محلّها تحت مظلّة طاعة الوالدين.

تختلط النصيحة بالرأي، وتتقاطع أحيانًا المصالح مع النصائح المقدّمة، فتختلط الأمور دون ترتيب يُقنّنها. ويُقال إن «النصيحة بجمل»، لكن كثرة النصائح المتضاربة تؤدّي إلى إفساد الأمور وإرباك المشهد.

الاستشارة لها أهلها، والمستشار وظيفة لها مسوّغاتها، وجُعلت للارتقاء بالمؤسسة لا للترضية، وبمقدار حسن اختيارها ترتقي المؤسسة. أمّا النصيحة فتُقدَّم عند السؤال عنها، ويأخذها طالبها أو يتركها وفق تقديره لها وإدراكه لأهميتها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»