Atwasat

الشامخون

منصور بوشناف الخميس 08 يناير 2026, 09:05 مساء
منصور بوشناف

المصطلح الليبي «الشامخات» الذي انتشر في السنوات الأخيرة، لوصف شابات ليبيات يعشن العز والمجد والدلال، يمارسن على الناس سلطة استثنائية، ويحظين بكل مظاهر البذخ، هن شامخات في الشوارع والأسواق والمطارات وفوق كل القوانين، يمارسن كل مظاهر الاستبداد الفج، وكجنرالات بلد متخلف مهزوم يعلقن نياشين البوتكس، ويعتمرن أوشحة العجرفة والتكبر والطغيان، هن أقرب إلى فرخات عمليات تحويل غير متقنة، تختلط فيهن الأنوثة بطيف ذكوري جلف، مزيج غريب بين هيفاء وهبي وفهد بلان، بين «حبك سفاح وحنا للسيف».

وكجنرالات جيش مهزوم ورغم نياشين البوتكس وأوشحة العجرفة، يعشن بؤس السبايا والجواري، فلسن إلا سبايا يحملن على كواهلهن إرثا من القهر الطبقي وسيولة الكيان وعدمية التاريخ والمصير، فلا خيار للسبية إلا أن تكون جارية محظية أو أن تكون هبة لأحد عبيد سابيها أو جثة على رصيف.

في عواصم لوردات الحروب الأهلية الليبية تظهر الشامخات وهن يقدن عربات السيطرة، منتشيات بنصرهن على السبي، وإن كان نصرا موقتا لا يمتد أبعد من مسافة السكة إلى وكر الصقر حيث «الحب السفاح» وحيث تنزل الشامخة عن حصان شموخها وتنزل قبو الجارية ذليلة مهانة.

في المسرح ثمة تقنية الاندماج في الدور، يتطلب هذا الاندماج عدة نفسية جبارة وذاكرة انفعالية حادة، ولكنها تتطلب أيضا قدرة عالية على ضبط الانفعالات والأحاسيس والعواطف ومن ثم الخروج الآمن من فخاخ الدور، لحظة تقول فيها المندمجة «أنا الممثلة ولست جولييت لأنتحر».

في عروض الشارع الليبي للشموخ تنسى بعض الشامخات حدود الدور وحدود السيطرة، يتعطل جهاز ضبط الانفعالات والعواطف، تندمج تماما ويسيطر عليها دور الشموخ والسيطرة، تتوهم البوتكس وساما حاميا والوشاح خوذة حماية، يتحرر فهد بلان من هيفاء وهبي ونانسي عجرم، لتنتهي الشامخة جثة على الرصيف وقد تناثر البوتكس والوشاح والأنوثة نتفا تلهب ذلها وهزيمتها الكاميرات.
صناع الشامخات شامخون بالتأكيد، خرج غالبهم من هوامش البترول، من الكفاف وحافة الفقر وقهر السلطة والحرمان، ووصلوا بالسلاح إلى «الخزنة» وإلى «مخزن السلاح»، ركبوا «اللاند كروزر» كما يتطلب الشموخ، وطافوا الشوارع يحرسهم رتل مؤجر، ثم كانوا بحاجة لراهبات شامخات كما ترسخت مظاهر الشموخ في عقول المضطهدين، كان لابد لفحولة الشموخ وسطوتها، وكان لا بد للفتوحات والبطولات من سبايا ومن تابعات وأجنحة حريم.

الشامخون، صناع ورعاة الشامخات هؤلاء ليسوا في الحقيقة أيضا إلا مزيجا غريبا آخر، صنعته البطالة والفقر وهشاشة الكيان ورعب المستقبل، كانوا أنصاف متعلمين وبعضهم أميين، وكانت خيالاتهم وأحلامهم تطفح بسلع الرفاه وركوب جياد اليابان الأصلية، وأيضا بمظاهر القوة والسطوة، وكان لا بد للزعيم والشامخ من جنود مخلصين كي يحرسوا حله وترحاله ويكسروا أنوف أعدائه، يموتون من أجله، ليظل شامخا، ويملك كما يملك الزعماء قطيعا من الشامخين الصغار والشامخات ورعية خانعة.

مصانع السلع والتاريخ الجبارة التي تطحن كل ما في العالم من أمم وبشر وحجر لتعيد إنتاجهم حلوى ورصاص وخبز وأشلاء أمم، معتقلين وسجانين، مطربين وراقصين ومفكرين، عسكر وحرامية، دولا وحكومات ومواثيق، أنتجت لنا ومن مواد خامنا شامخين وأنتج الشامخون شامخات.

وكما في المسرح، التقمص والاندماج في الدور غالبا ما يكون وبالا على الممثل، فيتوهم حقا أنه صلاح الدين وليس ممثلا لدور صلاح الدين في مسخرة سوداء فتكون النتيجة جثة على رصيف التاريخ، كجثة ضحيته التي اندمجت في دور الشموخ وتوهمت البوتكس حصن دفاع منيع.

وما الدنيا إلا مسرح كبير، كما يقول شكسبير وما الحياة إلا حكاية مليئة بالصخب والعنف يرويها أحمق، وما الشامخ والشامخة إلا سبايا قبضة كبيرة قاسية، تعصرهم فيعصروننا، تطحنهم فيطحنوننا، وفي لحظة السلم يطرق على رؤوسهم وعلينا يطرقون، ولا ذنب للمسمار وهو يطعن الخشبة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»