Atwasat

أحادية القطب الواحد

فرج أبوخروبة الخميس 08 يناير 2026, 04:01 مساء
فرج أبوخروبة

في تأمل عميق لحال هذا الكوكب الذي نتقاسم هواءه وضجيجه، يرتسم أمامنا مشهد سريالي يتجاوز في مأساويته أعتى الروايات الديستوبية؛ مشهد يتجلى فيه العالم ككيان واهن، يترنح تحت وطأة قبضة حديدية لا تكتفي بالسيطرة على الجغرافيا، بل تمتد لتصادر الإرادة والقرار. إننا نعيش في زمن «العجز الكوني» أمام سطوة القوى العظمى، تلك القوى التي استبدلت لغة الحوار الدولي بصرير السلاح وصفير العقوبات، وعلى رأسها تقف الولايات المتحدة الأميركية كأنموذج صارخ لغطرسة القوة التي لم تعد ترى في الآخرين شركاء في المصير، بل مجرد «كومبارس» في مسرحية تُكتب فصولها في الغرف المظلمة بواشنطن.

هذا الهوان الذي نراه اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسار طويل من الترويض الممنهج للمجتمع الدولي. لقد نجحت القوة المهيمنة في تحويل المؤسسات التي أُسست لحماية السلم العالمي إلى أدوات لشرعنة الانفراد بالقرار. وعندما نتأمل في شخصية الرئيس الحالي وتوجهات إدارته، نجد أننا أمام تجسيد حي لعقلية «أنا وبس»، وهي عقلية لا تقبل القسمة على اثنين، ولا تؤمن بالتعددية إلا كديكور خارجي يزين وجه الاستبداد الناعم. إنها حالة من النرجسية السياسية التي تجعل من مصلحة الداخل الأميركي هي الميزان الوحيد للحق والباطل، والخير والشر، بينما تُترك بقية شعوب الأرض لتصارع الفقر والحروب التي تُدار بالوكالة لتحريك مصانع السلاح في المركز.

التاريخ، هذا المعلم القاسي، يخبرنا أن القوة عندما تتجرد من الأخلاق تتحول إلى وحش يلتهم نفسه قبل الآخرين. فمنذ لحظة «الاستثناء الأميركي» التي رُوج لها طويلاً، والعالم يُساق نحو حافة الهاوية. لقد استطاعت هذه الهيمنة أن تفرض سطوتها عبر نظام مالي جعل من الورق الأخضر قيداً في معاصم الدول، ومن التكنولوجيا سلاحاً للمراقبة والتبعية، لا وسيلة للتحرر والرفاه. وما نراه اليوم من ضعف في مواقف الدول الكبرى الأخرى أو التجمعات الإقليمية، ما هو إلا انعكاس لسنوات من الارتهان الذي جعل السيادة مجرد شعار يُرفع في المناسبات الوطنية، بينما القرار الحقيقي يُتخذ خلف المحيطات.

إن الوجع الإنساني في هذا المشهد يكمن في أننا فقدنا «الإنسان» في معادلة القوة. فالرئيس الحالي، كعنوان لهذا النظام، يمثل قمة الهرم في بنية لا تعترف بالضعف ولا ترحم الواهنين. إنه نظام «الحكم الأوحد» المتدثر بعباءة الديمقراطية الزائفة، حيث يُسحق الفرد وتُطمس هوية الأمم في سبيل استمرار تدفق النفوذ. كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من الاستسلام؟ وكيف أصبحت العواصم العريقة في التاريخ مجرد تابع لسياسة «الرجل الأبيض» الذي يقرر من يعيش ومن يموت، ومن يزدهر ومن يغرق في ظلمات الجهل والحروب؟

إن تفكيك هذا الضعف يتطلب منا شجاعة في النظر إلى المرآة؛ فنحن لم نضعف لأن الآخر قدير فحسب، بل لأننا سمحنا لمنطق «الأنا» الأميركية أن يتغلغل في بنية تفكيرنا، فأصبحنا نقيس تقدمنا بمدى رضا واشنطن عنا. إنها عبودية طوعية غُلفت بمصطلحات العولمة والانفتاح، بينما هي في جوهرها تجريف لكل ما هو وطني وأصيل. وفي ظل القيادة الحالية، نرى هذا الوضوح الفج في التعامل، حيث لا مواربة في تغليب المصلحة الأميركية ولو على جثث الحلفاء قبل الأعداء. إنها لحظة كاشفة، تسقط فيها الأقنعة عن نظام عالمي يدعي حماية حقوق الإنسان بينما هو يمارس أبشع أنواع التمييز العنصري والسياسي ضد كل من يقول «لا» لهذه الأحادية القطبية.

وعلى الرغم من هذا السواد، إلا أن روح التاريخ لا تهدأ. فالقوة التي تقوم على «أنا وبس» هي قوة تحمل بذور فنائها في داخلها، لأنها تعادي المنطق الطبيعي للحياة الذي يقوم على التنوع والتكامل. إن العالم اليوم ليس ضعيفاً لأنه يفتقر إلى الموارد، بل لأنه يفتقر إلى «الإرادة الجمعية» لمواجهة المتغطرس. وكلما زاد طغيان هذا القطب الواحد وتضخمت ذاته، كلما اقتربت لحظة التصدع. فالإنسان، بوجدانه وحبه للحرية، لا يمكن سجن روحه إلى الأبد في زنزانة القطبية الواحدة.

لقد تحول المشهد العالمي إلى ساحة للمناورة، حيث تُستخدم الأزمات الإنسانية كأوراق ضغط، وتُباع المبادئ في سوق النخاسة السياسية. وعندما نرى الرئيس الحالي يتحرك بخطى ترسم ملامح السيطرة المطلقة، ندرك أننا نعيش في ذروة «الإمبراطورية» التي لم تعد تبالي حتى بمظهرها الأخلاقي. هذا الصدق الصادم في ممارسة الهيمنة هو ما يجعل العالم اليوم في حالة من الذهول والضعف، فهو لم يعتد على رؤية وجه الوحش بلا مساحيق تجميل.

في الختام، إن ما نمر به هو اختبار لصلابة الروح البشرية أمام آلة الهيمنة. الضعف الذي نراه هو ضعف مؤقت في الأدوات، لكنه يجب ألا يكون ضعفاً في الضمير. إن أميركا كأنموذج، على الرغم من جبروتها الحالي، تظل مجرد مرحلة في عمر الزمن، وعقليتها الأحادية هي «فقاعة» ستنفجر يوماً ما لتفسح المجال لعالم أكثر توازناً وإنسانية، عالم لا يحكمه «أنا وبس»، بل تجمعنا فيه «نحن» البشرية بكل تنوعها وقوتها الحقيقية المستمدة من العدل لا من فوهات البنادق أو أرصدة البنوك. إن القلم الإنساني سيبقى دائماً أقدر على كشف عورات القوة، وسيبقى الفكر الحر هو الحصن الأخير ضد التبعية والهوان، مهما بلغت سطوة المهيمن أو تضخمت عناوين حكمه الصارخة.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»