Atwasat

هندسة التغيير بالشماتة: تعليق على أكاديمي ليبي

طارق القزيري الأربعاء 07 يناير 2026, 06:29 مساء
طارق القزيري

اطلعت على تدوينة للدكتور هاني شنيب، طبيب القلب والأكاديمي الليبي المرموق في الولايات المتحدة، وهو – فيما أعلم - رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأمريكية - الليبية، ينطلق فيها من أحداث فنزويلا لصياغة تحذير مدوٍ، لكن الإدراج لا يميز بين تفهّم الخبر العاجل وبناء تأويل سياسي وفقه وصياغة دعاية تخويفية، بل يتعامل مع كل ذلك كطبقة واحدة.

ما يُقال عن تبعات فنزويلا يتماهى مع المؤتمر الصحفي للرئيس ترامب بطريقته التهويلية المتغطرسة، لكنه لا يرقى لاعتباره حقيقة مفروغاً منها، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا.

حين سألني صديق ليلة الحدث، أجبته: لننتظر ردود الأفعال، فهي المهمة لا الحديث ولا فاعله. وبالفعل، لخصت صحيفة «لوموند» ردود الصحف الأمريكية بشبه إجماع غير جمهوري يصف سردية ترامب بـ«السخيفة وغير المتوازنة»، وكذا كانت المواقف الدولية حتى من لندن نفسها.

سردية البيت الأبيض عن الوصاية على فنزويلا تُقدَّم كحقيقة نهائية، بينما ظهر داخل الإدارة توضيح بأن واشنطن لا تنوي إدارة فنزويلا يومياً. هذا وحده يهدم العمود الفقري لتهديد الدكتور شنيب.
ثم فنزويلا لم تستسلم، وخطاب ترامب المنتشي منح خصومه مبرراً للرفض من الحركة التشافيزية، بل وحتى معارضة «مادورو» نفسها، فلا أحد يرضى بخطاب عن بلده بكل هذا الامتهان.

علمتنا التجربة أن الغرب يتبع السياق. في 2011، بعد سقوط نظامي تونس ومصر، كانت ليبيا قطعة دومينو متوقعة السقوط، فانحازوا للانتفاضة. لكن هذه القطعة بالذات أوقفت العنفوان منذ قرار أوباما «القيادة من الخلف»، وتغيرت مقاربة الغرب للربيع العربي بالكامل.

لذا لن ننتظر ما سيحدث في كاراكاس فعلاً، فاختيار ليبيا تحديداً، واعتبارها من أهم أولويات واشنطن - بينما تحدث ترامب عن إيران مثلا- محض تخويف، ونبوءة بالحمل لمجرد وعكة صحية.

سيكولوجية أمريكا الجديدة لا تنفي طبيعتها
الحديث عن «سيكولوجية أمريكية» بطريقة الدكتور شنيب شخصنة فجّة للسياسة الدولية، كأن العالم يتحدد بمزاج فرد واحد. التحليل الجاد يفترض اعتبار المؤسسات (كونغرس - قضاء - بيروقراطية - لوبيات) أمنا قوميا. وهناك كلفة دولية من حلفاء وأسواق وقانون دولي، وأهداف قابلة للقياس: نفط - هجرة - مخدرات - نفوذ. الطرح يتجاهل كل ذلك، ويستبدل به مقولات من نوع «الرئيس لا يمزح.. كل ما يقوله سيحدث». هذه جملة دعائية لا تصلح كقاعدة تفسير.

مغالطة القياس
يتجاهل الدكتور شنيب حقيقة بسيطة: ليبيا ليست فنزويلا لواشنطن جغرافياً وجيوسياسياً. الثانية في صميم الأمن الذاتي المباشر لأمريكا، بينما ليبيا دولة متوسطية أبرز مشاكلها عالمياً هجرة نحو أوروبا، وإسهامها بالطاقة لا يعني أمريكا مباشرة.

ثم إن فنزويلا دولة تعيش صراعاً داخل جهاز دولة قائم نسبياً تحت ضغط أمريكي له جذور تاريخية في أمريكا اللاتينية. أما ليبيا فلديها انقسام سلطات، وتعدد مراكز قوة مسلحة، واقتصاد ريعي، وتنافس إقليمي ودولي متشابك، وحضور أممي وأوروبي مباشر. هذه فروق تحدد طبيعة الأزمة ومسارها، وحدود أي تدخل، لا فروق جانبية.

خطاب النقمة لا الفهم
يبدو لي أن ما كتبه الدكتور شنيب خطاب نقمة على الطبقة السياسية الليبية أكثر منه بيان فهم لطبيعة السياسة الأمريكية. هناك تعميم نفسي بلا دليل، و«تحقير» لغوي ينسف جدية الكاتب قبل أن يقنع القارئ.

الدبلوماسية ليست مسابقة كرامة شخصية، وأحياناً «القناة غير اللامعة» هي التي تُنجز ملفات شديدة الحساسية. الطرح لو صِيغ أعمق لطالب بواجهات تفاوض محترفة تفهم المصالح وآليات صنع القرار، وتملك لغة قانونية واقتصادية وأمنية.

أما الحديث عن توحيد الجيش فوراً، فيتجاهل أنه ليس قراراً إدارياً، بل تسوية أمنية - سياسية - اقتصادية معقدة، تشمل اندماجاً وقيادة وعقيدة ورواتب وعدالة انتقالية. والتلويح بأن التقسيم «غالباً» قادم قفزة احتمالية بلا معطيات، يؤسس لقدرية تبرر الاستسلام.

في نقطة الفساد تبدو الأطروحة أكثر تماسكاً، فالولايات المتحدة تستخدم فعلاً أدوات عقوبات ومكافحة أموال قذرة عابرة للحدود، لكن صياغتها لا تزال شعبوية، فالملاحقة تتطلب اختصاصاً قضائياً وأدلة وتعاوناً دولياً وتتأثر بالسياسة.

مفردات الشتيمة تجعل النص أقرب لمنشور تحشيدي منه لتقدير موقف، ويعتمد على «الاستعجال» كوسيلة إقناع. لنترك هذه النرجسية الليبية السطحية، فنحن لسنا من الأهمية بمكان لنصبح هدفاً للقوى الكبرى لمجرد أننا لسنا بخير. السؤال البسيط: ماذا تملك ليبيا مما يهم واشنطن؟ وهل هذا مبرر لتدخل عارم قاصم؟ إجابتي: لا.

يحتاج هذا النوع من الخطاب فصلاً صارماً بين ما نعرفه كحقائق، وما نرجحه كسيناريوهات، وما نقترحه كسياسات، مع تقدير أن الواقع تغير والتدخل وارد، لكن ليس بالضرورة لأجل ليبيا ولا لمصلحتها.

ولا يمكنني سوى العودة للتأكيد المباشر على أن رقي الخطاب أفضل دائما، وعلى الأقل، لصناعة قابلية تداول وفهم وتفاهم. والسياسة الأمريكية العريقة أكثر خصبا وتنوعا من توظيف مصطلح غير مناسب كالذي استخدمه د. شنيب، وأعتقد شخصيا أنه لا ينبغي له ذلك ما دام خطابه عاما، بما يمنحنا حق الاعتراض.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»