وما يدل على أن الواقعية لا تضع المضمون (بمعنى الفكرة المحددة التي يشترك كل القراء في فهمها من العمل) موضع الأساس أنها تفسح المجال أمام التفسيرات المختلفة للعمل الواحد، وتعاملها على قدم المساواة. يقول ميخائيل خرابشنكو (5 : 164) Mikhail Khrapchenko: «إنه لمن المهم التشديد هنا على أن وجود تفاسير مختلفة للأعمال الفنية لا يعني أن واحدا من هذه التفاسير فقط هو الصحيح».
أما فيما يتعلق بالشكل، فيقول برخت (1 : 139): «إنه لمن التفاهة المحضة القول بأنه يجب ألا نعلق أهمية على الشكل وعلى تطور الشكل في الفن. وإذا لم يطرأ على الأدب ابتكارات ذات طبيعة شكلية، فإنه لا يستطيع أن يقدم موضوعات جديدة، أو وجهات نظر جديدة إلى الفئات الجديدة من الجمهور».
في السياق نفسه، يقول ميخائيل خرابشنكو (5 : 164): «خصائص الأعمال الفنية، مثل تجسيد الشخصية وعمق الاستبصار الفني artistic generalization، تأتي في المقدمة».
وختاما، أعتقد أن ظاهرة رد وقائع النص الأدبي إلى الحياة الخاصة للكاتب، التي تتحكم في طريقة تلقي الذهنية العربية العامة للنصوص الأدبية، لا علاقة لها بالرؤية الواقعية للأدب، التي هي حديثة الصلة بالأدب العربي، إذ إنها، في ظني، أبعد من ذلك بكثير، ولعل جذرها الأول يرتبط بالقصيدة العربية قبل الإسلام.
فمن المعروف أن هذه القصيدة كانت ترتبط بحياة الشاعر وظروف قبيلته ارتباطا مباشرا. تبدأ القصيدة العربية قبل الإسلام بالتجربة العاطفية المباشرة للشاعر، كذات واقعية متميزة، يشير فيها إلى محبوبته باسمها الصريح، أحيانا، ويستعيد ذكريات حبه معها من خلال زيارة أطلال سكناها، ثم يصف سجاياه وأمجاده وفروسيته.. إلخ، ثم يمدح أو يهجو ذاكرا، في الغالب، أسماء من يهجوهم أو يمدحهم، وحتى لو لم يذكرهم سيكون من السهولة لسامعيه التعرف إليهم.
وقد ظل هذا التقليد في ربط الشعر بحياة قائله ملازما للشعر العربي بعد الإسلام، على الرغم من التطورات التي مست بنية القصيدة العربية. وكمثال على ذلك، يمكن الإشارة إلى النقاشات التي دارت في حينها حول علاقة أشعار عمر بن أبي ربيعة بحياته الفعلية.
وفي العصر الحديث، أعيد إنتاج هذا التوجه من خلال المناهج الدراسية، حيث يتم الكلام دائما عما «يهدف إليه الشاعر»، وليس عن «الدلالات الممكنة للقصيدة».
ويبدو أن الأوروبيين لا يواجهون مثل هذه المشكلة، لأن الشعر لديهم لم ينشأ كفن مستقل، ينظم في قصائد تتصل مباشرة بذات قائلها، وإنما نشأ عنصرا تركيبيا في المسرحية والملحمة، وهما فنان يقومان على تعدد الشخصيات وعنصر الدراما، الأمر الذي يمكن ذات المبدع من أن تظل متوارية، ويتجه الاهتمام إلى الدلالات الكلية للعمل.
المراجع:
(1) إرنست فيشر - ضرورة الفن - ت: الدكتور ميشال سليمان - دار الحقيقة - بيروت (د. ت).
(2) غيورغي غاتشف - ت: د. نوفل نيوف وم. د. سعد مصلوح - سلسلة عالم المعرفة - ع 146 - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت - 1990.
(3) Philip Rice & Patricia Waugh, eds, Modern literary theory. Arnold. London (4th edition) 2001.
(4) جورج لوكاش - بلزاك والواقعية الفرنسية - ت: محمد علي اليوسفي - المؤسسة العربية للناشرين المتحدين (د. م) 1985.
(5) Mikhail Khrapchenko, Artistic creativity, reality and man. Raduga publishers. Moscow. 1986.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات