Atwasat

العدالة والحصار

عمرو عبدالغني عزوز الأحد 04 يناير 2026, 01:30 مساء
عمرو عبدالغني عزوز

ليس الحصار وحده ما يختبر صلابة الشعوب، ولا العدو الخارجي ضمانة لوحدة المجتمع. الحقيقة أن المجتمعات تنهار حين يُحاصر الفقراء ويُحمى الأثرياء، وحين يُطلب من الناس الصبر على ألم لا يُوزَّع بالتساوي. هذا هو القانون الاجتماعي والسياسي الذي كشفه التاريخ: من شعب أبي طالب إلى فرنسا الثورية، ومن أليندي إلى فنزويلا الحديثة، يظهر أن العدالة النسبية هي الشرط الأول للتماسك، قبل أي صمود عسكري أو مقاومة خارجية.

في حصار شعب أبي طالب، وفي غزوة الخندق، لم يكن الالتفاف حول الرسول ﷺ مجرد فعل إيماني، بل كان انعكاسًا لمعادلة عادلة: الخطر شامل، والجوع مشترك، والقيادة في قلب المحنة لا فوقها. لم يكن هناك اقتصاد حصار للنخبة، ولا صبر مفروض على عامة الناس وحدهم. لذلك تحوّل الحصار إلى مصدر تماسك، لا إلى أداة تحطيم.

يفسّر ابن خلدون هذا النموذج بربطه بقاء الدولة بما سماه «العصبية»، لا كرابطة دم أو شعار فارغ، بل باعتبارها شعورًا بالمصلحة المشتركة. وحين أعلن: «الظلم مؤذن بخراب العمران»، لم يكن يطلق موعظة أخلاقية، بل يشرح آلية الانهيار بدقة جراحية.

فالظلم، في جوهره، هو اختلال في توزيع الأعباء: حين تُحمى النخبة، وتُستنزف العامة، وتُفرض الجباية على من لا مهرب لهم. عند هذه النقطة تموت العصبية، حتى لو بقيت الأسوار قائمة.

بهذا المعنى، الحصار لا يكون سبب الانهيار، بل كاشفه الأكبر. فهو يعرّي البنية الطبقية، ويكشف من يدفع الثمن ومن ينجو بالامتياز. وعندما يكتشف الناس أن معاناتهم ليست قدرًا جماعيًا، بل سياسة انتقائية، يتحول الغضب من الخارج إلى الداخل، ويبدأ التفكك الصامت.

فنزويلا مثال معاصر صارخ على هذه القاعدة. صحيح أنها واجهت عقوبات وضغوطًا خارجية، لكن الحصار لم يتحول إلى التفاف وطني، لأنه تزامن مع انهيار الطبقة الوسطى، بينما احتفظت نخبة سياسية–اقتصادية بقدرتها على الاحتماء. التضخم دمّر حياة الناس اليومية، ومع ذلك طُلب منهم الصبر باسم السيادة. عندها لم يعد الحصار يُرى كعدوان خارجي، بل كنتيجة مباشرة للفساد وسوء الإدارة. فتبدد الشعور بالمصير المشترك، وتحول المجتمع إلى أفراد يبحثون عن النجاة الفردية: بالهجرة، أو الانسحاب، أو اللامبالاة.

ومن زمن وسياق مختلفين، واجه روبسبيير المعضلة ذاتها بلغة أكثر حدة. فرنسا الثورية كانت محاصرة، لكنه رأى أن الخطر الأعظم لا يأتي من الجيوش المعادية، بل من تحوّل الثورة نفسها إلى امتياز طبقي جديد. لذلك قال عبارته الشهيرة: «لا جمهورية بلا فضيلة، ولا فضيلة بلا مساواة».

والفضيلة هنا ليست مجرد أخلاق شخصية، بل عدالة اقتصادية تمنع احتكار الثروة في زمن الجوع. لقد فهم أن الناس قد يحاربون دفاعًا عن وطنهم، لكنهم لن يموتوا دفاعًا عن أثرياء جدد، ولهذا ربط الصمود العسكري بالسيطرة على الأسعار ومحاسبة من راكموا الثروة في زمن الشدة.

وعلى النقيض، تقف تجربة سلفادور أليندي في تشيلي كنموذج أخلاقي نادر. فعلى الرغم من الضغوط الاقتصادية والتخريب المالي، التفّ جزء واسع من المجتمع حوله، لا لأنه وعدهم بالنصر، بل لأنه لم يخدعهم. لم يحتمِ خلف الامتيازات، ولم يطلب من الشعب ما لم يقدمه بنفسه، ولم يغادر القصر حين سقط. خسر المعركة، لكنه لم يخسر الشرعية الأخلاقية. وهذا هو الفارق الجوهري: الشعوب قد تتحمل الهزيمة، لكنها نادرًا ما تتحمل الخيانة.

ما يجمع ابن خلدون وروبسبيير وأليندي، وما تكشفه فنزويلا بوضوح، حقيقة واحدة: الخطر المشترك لا يصنع التماسك تلقائيًا، بل تصنعه العدالة النسبية في تقاسم المحنة. ليست العدالة المطلقة شرطًا دائمًا، لكن الشعور بعدم الاستغلال هو الحد الأدنى للبقاء الجماعي. حين يُوزَّع الألم، يصمد المجتمع. وحين يُحتكر، يبدأ الانهيار من الداخل، قبل أن يخترق الحصار أسواره.

الدول لا تسقط حين يُحاصَر اقتصادها، بل حين يُكسر عقدها الأخلاقي مع المجتمع.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»