Atwasat

(لُويدة) الأعمار الضائعة

جمعة بوكليب الأربعاء 31 ديسمبر 2025, 03:07 مساء
جمعة بوكليب

اللعبُ ليس حِكراً على الأطفال كما قد يعتقد البعض؛ الكائن البشري، بطبعه، يميل إلى اللعب في كل مراحل حياته، وإن اختلفت الألعاب باختلاف الأعمار. في هذه المرحلة المتقدمة من رحلتي العمرية، اكتشفت لعبة جديدة وممتعة، أطلقت عليها اسم لعبة الذكاء الاصطناعي وأحببتها.

التحدي أساس لعبتي الجديدة. إذ كلما داهمني ضجر أو التفّ بعنقي كساد نفسي، أطرح على المحرك الرقمي موضوعاً محلياً شائكاً. وفي أغلب الأحيان، تأتيني أجوبة سريالية بعيدة عن واقعنا، فأضحك من كل قلبي مثل طفل يفتخر بانتصاره على آلة تدّعي المعرفة المطلقة. ثم في محاولة مني لجبر الضرر، أسارع بتقديم المعلومات الصحيحة له بتفصيل. فيعتذر بتواضع رقمي ويصحح نفسه. اللافت للاهتمام والمثير حقًا للإعجاب، أن الذكاء الاصطناعي، على عكس البشر، لا يعاند ولا يكابر لدى مواجهته بالحقائق، وكذلك لا ينسى مطلقًا الاعتراف بالخطأ والاعتذار. وتلك فضيلة تكنولوجية.

في المرة الأخيرة، سألته عن لعبة ليبية اسمها «اللويدة»، كان السؤال في الحقيقة شقاوة مني برغبة أن أضعه في حجمه الطبيعي. نجحت المحاولة حين خلط في إجابته بين اللويدة وبين لعبة أخرى لا أعرفها، قال هو إن اسمها «اللويرة».

صححت له المعلومة، وشرحت له أن اللويدة تتكون من مقاعد خشبية تدور حول عمود، ينصب في ساحات الأعياد بطرابلس أو غيرها من المدن الليبية. شكرني وقدم وصفاً دقيقاً، لكن إجابته أثبتت قصوره. إذ اقتصرت على شرح النسخة الطفولية البريئة للعبة، غافلاً عن أن اللويدة في ليبيا أنواع عديدة، وأن «لويدة عن لويدة تفرق» وأن الزمان والمكان هما ما يحددان النوع والغرض.

لم يخطر ببال الذكاء الاصطناعي أن اللويدة كانت أيضاً تتوفر في السجون الليبية المخصصة لسجن معارضي النظام السابق، وأنها اللعبة المفضلة لحراس تلك السجون. هناك، في الساحات الإسمنتية المعزولة المحاطة بالأسلاك الشائكة، لم تكن اللويدة مقاعد خشبية تدور بأطفال، بل كانت طقساً سادياً لمعاقبة المساجين من جهة، ومن جهة أخرى لطرد ضجر حراس أجلاف وساديين وإدخال شيء من بهجة إلى نفوسهم.

كان الحراس، وقت اللعبة، يختارون أماكنهم، بوقوفهم موزعين خارج دائرة السجناء، على مسافات محسوبة بدقة. ثم يجبرون المساجين - بغض النظر عن أعمارهم أو صحتهم - على الجري حفاة الأقدام في دائرة داخل تلك الدائرة الأولى، تحت تهديد العصي والأحزمة. كانت اللعبة تقوم على الضرب المتواصل للسجناء، لدى جريهم ومرورهم على الحراس الواقفين في الدائرة الخارجية. اللعبة تلك تنتهي حين ينهك التعبُ الحراس، وتعود إليهم راحتهم النفسية. حالة الضحايا لا مكان لها في حسابات تلك اللعبة.

هناك لويدة من نوع آخر. لا تقل سادية عن المذكورة أعلاه، وهي نفسانية الطبيعة. نحن في ليبيا منذ سنوات نعيش في دوامة لويدة ترهق البدن والروح قائمة على تدوير الأزمات، تضيق فيها فسحة الحياة حتى تصير مثل خرم إبرة، وحتى صرنا مثل «جمل الطاحونة»، ندور في دائرة صغيرة مفرغة، بينما نهر الحياة يتدفق بعيداً عنا دون قدرة على اللحاق به، والسباحة في مياهه.

معجم «لويدتنا» اليومي فقير. يقتصر على مفردات محدودة: مصارف منهوبة بلا سيولة أغلب أوقات العام، ودوائر حكومية معطلة، ومحطات بنزين خاوية، وكهرباء منقطعة. التدوير العبثي الدائم أساس اللعبة: إذا حضرت السيولة غاب البنزين، وإذا توفر الوقود انقطعت الكهرباء. هي لويدة لا تتوقف. المحزن أنها تسرق أعمارنا ومستقبل أولادنا في دوران عبثي لا يفضي إلى مكان، تمامًا كما كانت تفعل بنا لويدة السجون، ولا تتميز عنها سوى باختلاف الجلادين والظروف.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»