عندما تُذكر أميركا اللاتينية في أحاديث الثقافة، لا تُستعاد الجغرافيا وحدها، بل تنهض معها ذاكرة كاملة من الثورات، والدم، والقصائد، والروايات العميقة التي كُتبت من قلب المعاناة الإنسانية ومعركة الكفاح الطويلة من أجل الاستقلال والحرية.. إنها القارة «الثورية» التي عاشت تاريخها الحديث بوصفه صراعاً مفتوحاً مع الاستعمار والإمبريالية والرأسمالية المتوحشة، لكنها في الوقت ذاته حولت هذا الصراع إلى طاقة ثقافية خلّاقة، أنجبت أدباً ظل حيّاً، حتى بعد سقوط الأيديولوجيا وموت القادة السياسيين. هناك، لم تكن الثورة حدثاً عابراً، بل مساراً وجودياً تشكل فيه الوعي الجمعي عبر اللغة، والذاكرة، والأسطورة، وعبقرية السرد.
في أميركا اللاتينية، لم تنفصل السياسة عن الثقافة، ولم يكن المثقف الوجودي كائناً محايداً يراقب الأحداث ولا يخوض غمار تحولاتها. فمن كوبا، حيث تحوّلت ثورة 1959 إلى رمز كوني ملأ المكان اللاتيني، فلم يكن «فيديل كاسترو» حينها مجرد قائدٍ عسكري خاض معركة الوجود الكوبي في القارة الثورية، بل خطيباً مثقفاً أدرك قوة الكلمة في صناعة الشرعية، وإلى جانبه تشكل نموذج الرفيق «تشي غيفارا» الذي تجاوز صورته كثائر مسلّح ليصبح مع الزمن أيقونة أخلاقية للتمرُّد الإنساني ضد الظلم في أيِّ مكانٍ من العالم. وفي ظل هذه التجربة النضالية، برز شعراء مثل «نيكولاس غيّين» الذين جعلوا من القصيدة صوتاً للفقراء والسود والمهمشين، مؤكدين في قصائدهم الثورية أن التحرُّر يبدأ من اللغة بقدر ما يبدأ من البندقية!
في نيكاراغوا الوسطانية، اتخذت الثورة النيكاراغوية شكلاً أكثر شاعرية، حين قاد «الساندينيست» نضالهم ضد دكتاتورية «سوموزا»، وكانت «الثقافة» في صميم المشروع الثوري.. فلم يكن «إرنستو كاردينال» مثلاً، شاعراً يكتب على هامش السياسة، بل كان يرى في القصيدة فعلاً تحرُّرياً، وفي الشعر وسيلة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والأرض والتاريخ. هذه التجربة، التي جعلت من المثقّف جزءاً عضوياً في المجتمع الثوري، تكشف الفارق الجوهري بين ثوراتٍ عاشت لتُنتج ثقافتها، وأخرى أكلت أبناءها لأنها لم تؤمن بالكلمة!
أمّا في تشيلي، حيث انتهت تجربة «سلفادور أليندي» بانقلابٍ دموي، فقد تجسّد الوجه التراجيدي للتجربة اللاتينية، لكن الهزيمة السياسية لم تُلغِ الانتصار الثقافي. فـ«بابلو نيرودا» شاعر القارة، لم يكتب من موقع الزينة الرمزية للسُّلطة، بل من موقع الشاهد والضمير، فحوّل القصيدة إلى وثيقة تاريخية بأثرها الثقافي، وإلى سجلٍ أخلاقي ضد القهر والاغتيال والخذلان الدولي.. لقد أثبتت «تشيلي» بنضالها أن الطغاة قادرون على قتل الرؤساء، لكنهم عاجزون عن قتل الشعر!
أما الأرجنتين، فقد عرفت شكلاً آخر من أشكال المقاومة، حيث تحوّلت الذاكرة إلى ساحة صراع مفتوحة. في مواجهة الديكتاتوريات العسكرية وحملات الإخفاء القسري، وبرز كُتّاب مثل «خوليو كورتاثار» الذي فجّر بنية السرد التقليدي، وكأنه يعلن أن تحرير الإنسان يمرُّ أولاً عبر تحرير الخيال. لم تكن رواياته سياسية بالمعنى المباشر، لكنّها كانت تهديداً عميقاً لأي سُلطة تريد فرض معنى واحد للعالم.
في كولومبيا، كتب «غابرييل غارسيا ماركيز» تاريخ القارة بلغة الأسطورة. فلم تكن «مئة عام من العزلة» مجرد عمل روائي، بل سيرة مكثّفة لأميركا اللاتينية كلّها، بانقلاباتها، وحروبها الأهلية، وتدخلاتها الأجنبية، ونسيانها القسري.. في مدينته المتخيَّلة «ماكوندو» تتجاور المعجزة مع المذبحة، والذاكرة مع المحو، وكأن «ماركيز» كان يقول إن الواقع اللاتيني لا يُمكن فهمه إلا عبر الأدب، لأن السياسة وحدها تعجز عن تفسير هذا الكم من العبث الفوري!
حين ننتقل إلى الحالة العربية، لا يبدو هذا التاريخ بعيداً، بل هو في السائد أقرب ممّا نظن. فالعالم العربي، مثل عالم أميركا اللاتينية، عاش قرناً كاملاً من الاستعمار المباشر، ثم من الاستقلال المشوّه، ثم من الهيمنة غير المرئية. غير أن الفارق الجوهري يكمن في موقع «الثقافة» داخل الصراع. ففي حين جعلت أميركا اللاتينية من الأدب شريكاً للثورة، كثيراً ما همّشت الأنظمة العربية المثقّف، أو حوّلته إلى بوق، أو دفعت به إلى السجن والمنفى.
في فلسطين المحتلة، تتكثف هذه المأساة وتتحول إلى نموذج صارخ بين الوجود والعدم.. فالفلسطيني مثل اللاتيني، لا يقاتل على الأرض فقط، بل على الرواية الوجودية، فالصراع في فلسطين ليس عسكرياً فحسب، بل صراع على الذاكرة، على الاسم، على الحق في السرد.. ولذلك لم يكن «غسان كنفاني» مُجرّد روائي، بل مؤرخاً وجدانياً للنكبة المستمرّة، ولم يكن «محمود درويش» شاعر حنين، بل مهندس لغة أعادت بناء الوطن في المنفى.. هذه التجربة تشبه، في جوهرها، تجربة نيرودا وماركيز وكورتاثار: مقاومة تُمارس بالكلمة حين يُراد للكلمة أن تزول من ذاكرة الوجود!
لقد أدركت أميركا اللاتينية، كما أدرك الفلسطينيون بالفطرة التاريخية، أن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى حثيثاً إلى احتلال الذاكرة. لذلك يصبح الأدب فعلاً مقاوماً بامتياز، لا لأنه يرفع الشعارات، بل لأنه يمنع النسيان، ويعرّي الكذب الرسمي، ويمنح الضحايا أسماءً ووجوهاً وحكايات.
رغم سقوط المعسكر الاشتراكي، وتراجع الأيديولوجيات الكبرى، لم تمت روح أميركا اللاتينية الثورية، لأنها لم تكن قائمة على الشعارات وحدها، بل على الإحساس العميق بالعدالة. وهذا درس بالغ الأهمية للعرب اليوم. ففشل التجارب السياسية لا يعني فشل الحلم الإنساني ذاته، وسقوط الأنظمة التي ادعت التحرُّر لا يلغي ضرورة التحرُّر.
إن نسائم أميركا اللاتينية، حين تصل إلى العالم العربي وفلسطين، لا تأتي بوصفات جاهزة، بل بمرآة قاسية. إنها تذكّرنا بأن الثورة التي لا تُنتج «ثقافة» تتحوّل إلى «سُلطة»، وبأن الثقافة التي تنفصل عن الناس تتحول إلى مجرد زخرفة لغوية. وبين هذين الحدين، يبقى السؤال مفتوحاً أمام المثقف العربي: هل يكون شريكاً في المعنى، أم مُجرّد شاهد على الانكسار؟!
رغم كل التحديات، يبقى الأمل قائماً، لأن التاريخ علمنا أن الحلم قد يُهزم سياسياً، لكنه لا يموت ثقافياً. ما دام هناك من يكتب، ومن يتذكّر، ومن يرفض الصمت، فإن نسائم أميركا اللاتينية، بقيمتها الوجودية العميقة، ستظل تهب، لا بوصفها ذكرى قارية بعيدة، بل بوصفها وعداً إنسانياً متجدداً بالحرية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات