تحت سقف بيت الشَّعر المزخرف بالرقع الملون، والعتمة الأليفة المكسورة بضوء فنار خافت، يعكس الظلال الطويلة على كولاج الأروقة الملونة. فراشات الضوء تدور حول لسان اللهب المرتعش خلف مرشة الفنار، وفوق رقعة الجلد يدور القرص الحجري مهدهداً بإيقاعه الشجي نعاسي. كانت أمي تغرف براحتها القمح، وتسكبه ببطء في لولب الرحى (الحالم بسنابل تلوح في ذوائب مزن الخريف)، وهي تهاجي الخلاء الساكن بأغانٍ طالما تسربت إلى أوقات وَسَني، وتسللت إلى أحلامي، تجوب بها شجون الغياب والذكرى ومكابيت الروح العالقة في شظف الحياة: «اللي تكيد في البذار.. تكامل على أيدي رموها».
شكّلتْ تلك التراتيل الليلية علاقتي الأولى بالفن المصاحب لأداة العيش الضروري في حياة الكفاف اليومي في مكان وزمان كل ما فيه يدور. فراشات الليل تدور حول ضوء الفنار، وظلالها تتراقص على وجوهنا. القرص الحجري يدور بالأغاني التي تدور حول المعنى، الخيول فوق جرن السنابل تدور، والمغزل يدور في اليد، وعلى ساق المرأة يدور المبرم الخشبي، ليضفر الصوف خيوطاً لا تنفك تدور في المسادي التي منها يُصنع البيت وفَرْشُه. الأرغفة المدورة تدور في التنور المدور، وأمي تدور كل صباح حول البيت، لتشد الرمام أو ترخيها نزولاً عند رغبة الطقس، وأبي يدور بقطيعه في الهضاب المتاخمة، وكل نجع يدور خلف المواسم بحثاً عن الكلأ، وكانت الغناوة ــ سواء أكانت مهاجاة للرحى أم قذّارة تصاحب حفلات جز الصوف، أو غناوة علم تختزل أحزان الفراق أو بهجة اللقاء ــــ تدور في عقيرة المغني الذي يبدأها بالخاتمة، ثم يعود إلى مستهلها، ثم يربط طرفيها بمفردة الوسط أو ما يُسمى «القفلة».
وفي الشكل والمعنى تتلمس الدائرة كي تفضي إلى مُرسَلِها، متناغمة مع دورة الحياة التي تبدأ ببذور تُلقى في التراب الرطب في انتظار دورة الفصول، لتعود بذوراً للطحين تلقمها أمي في عين الرحى وهي تُعِدُّ وجبة اليوم التالي، وكان الغناء في معظمه مصاحباً للأدوات التي بها يمضي عيش الكفاف، لأن الفن توأم الأداة منذ تفتح البشر على الوعي بالضرورة والجمال.
يقول إرنست فيشر في كتابه «ضرورة الفن»: «باستخدام الأدوات لم يبقَ شيءٌ مستحيلاً. مبدئياً يكفي المرء أن يعثر على الأداة المناسبة لكي يبلغ ما لم يكن إليه سبيل في السابق، أو لينجز ما كان بالأمس مستحيل التحقيق. لقد حصل الإنسان على سيطرة جديدة على الطبيعة، وهذه السيطرة هي - حكماً - غير محدودة. وفي هذا الاكتشاف يكمن أحد مصادر السحر، وبالتالي الفن».
كان ولعي بالفن عبر هذا الإيقاع المتبادل بين أنين الحجر وهو يجرش حبات القمح، وبين صوت أمي وهو يطحن الهموم والأحزان، وكنت في البداية مسحوراً بهذا المزيج الصوتي دون أن أفهم ما يقال، ومع النضج لم يبرح هذا الحوار مسمعي، وبدأت استشف مضامين تلك الأغاني الخافتة، فأفهم رسائل تلك المناجاة الليلية الحزينة التي تعكس مشاعر الأنثى في بيئة صلبة كل ما فيها يدور حول الرجل، لكن أمي كانت تقول إن القمح الذي أنهك البذّارين يمر الآن جميعه بكفها، في مجابهة خفية مع سلطة ذاك الزمن الذكورية، تُهرّب مكابيتها في جماليات الغناء الناعم، ولذة الانغماس في وجْد العمل.
ومع الزمن تطورت علاقتي بهذا الفن، وبكل أشكاله، فعايشت غناوة العلم حين يترنم بها الرعاة في الخلاء الفسيح، لا تنصت لهم سوى الأودية التي تعيد رجعها، أو في الأعراس التي يقارع فيها الشعراء بعضهم البعض بومضات شعرية مرتجلة، فتغدو مشرعة للحوار الشعري والصراع الدرامي، أو أداة لإيصال اللوعة إلى العشيقة التي تنصت خلف رواق البيت.
وكان قبل كل ذلك فن «صوب خليل» الذي امتزج فيه المسرح مع الشعر كما في رقصة الكشك، حيث ملتقى الحوار الشعري بين الفتيات والفتيان في بيت يُنصب خصيصاً لهذا الملتقى يسمى «بيت الجلّاس»، وفيه يحدث ما يمكن أن يوصف بـ«الانتخاب الطبيعي»، فيتبارى الطرفان بأشعار ملغزة يتطلب فك طلاسمها، والمعيار الوحيد في هذا القانون الانتخابي هو اختبار الذكاء كمرادف للقوة والإثارة. يعود هذا الحوار بالحياة إلى أسئلتها الأولى، وإلى المران على جلاء الغموض عن المجازات، وأسطرة العلاقات من أجل تسويغها في الواقع، ويغدو كل مُحرّم مقبولاً حين يُمزج بالفن وبالشعر.
اختفى هذا الفن تدريجياً مع التغيرات الجذرية في طرق الحياة، صوب خليل ومهاجاة الرحى، وحلت محلها وسائل أخرى للتواصل وبث اللواعج، وظلت أغاني جز الصوف مستمرة في كل موسم مع استمرار المناسبة والأداة، وأوغلت في العقود الأخيرة بالقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية االراهنة، وأيضا عبر استخدام رموز المناسبة، فالضأن أصبحت رمزا للشعب، والحاكم هو الراعي إذا كان طيباً، أو الذئب إذا كان سفاحاً. لم يستقبل الرعاة واقعة الانقلاب العسكري في التسعة والستين برضا، وفي أحد «المجلمات» أثاروا هذه الشجون بقذاذير فيها حنين لما مضى وخوف من القادم، وكأنهم كانوا يستشعرون أن الذئب سيحل محل الراعي: «تصّايح معيز وضان.. تريد راعيها لولي.. تعاون اطناشر ذيب علي غلم في غوط سايبة».
ويقول فيشر في سياق آخر: «لقد كان التطور نحو العمل يتطلب منظومة جديدة من وسائل التعبير والاتصال تتجاوز بكثير تلك الإشارات البدائية القليلة، ولكن العمل لم يتطلب هذه المنظومة من وسائل الاتصال وحسب، بل كان يساعد على نموها أيضا. لقد نشأت اللغة يوم نشأت الأداة».
هكذا انبثق الفن من عنت العيش، ومن محاولة ترويض القسوة بطربه، ذاهبًا لأن يكون فناً شعبياً تكتبه قريحة جماعية مثلما كانت جماعة «الرغّاطة» تعمل متعاضدة من أجل تحمل أعباء الحياة الشاقة. ولقد كانت المجتمعات البدائية تحدد شكلاً مكثفاً من الترابط الوثيق وروح الجماعة، ولم يكن هناك أكثر قسوة من أن يُطرد الإنسان خارج جماعته، لأن ذلك يعني النبذ والموت البطيء وفقدان الهوية، وكان الفن بأشكاله المختلفة (الرقص، والشعر، والحكاية، والغناء، والنسيج، والطقوس الصوفية) يحاول أن يعكس روح هذه اللُحمة دون أن نغفل حنين الشاعر أحياناً إلى الخلوة أو الخلاء، متحاشياً (الدوج) الضجيج الذي يبعده عن نفسه.
وظلت ثيمات هذا الشعر، وغناوة العلم خصوصاً، كومضة مقتضبة، تدور في فلك الحب والفقد والبكاء على الأطلال، تصيغها قريحة جماعية تجعلها مجهولة المؤلف إلى أن بدأ توثيق حقوقها الحصرية في العقود الأخيرة مع انتقالها من حيز الشفاهي إلى التدوين، وتطور قوانين الملكية الحصرية في المجتمع بأسره.
لقد كان الفن مراراً - وعبر تاريخ مغامرة الإنسان فوق الأرض الذي بدأ بالرسم على جدران الكهوف قبل أن يكتشف لغة التخاطب - أداةً سحرية مثل الأدوات الأخرى التي تساعده على السيطرة على الطبيعة، وتطوير وسائل العيش والتواصل، وشعر العلَم كان أحد الابتكارات لمواجهة قسوة الحياة وصعوبة العلاقات فيها، لإنتاج لغة تخاطب جمالية ومرمزة في خضم حياة، أقل ما تحتاجه الصلابة والصبر والنسيان والانتظار، ولكن هل هذا حافزها الوحيد؟
سأخمن، إن مغريات أخرى صاحبت تاريخ الفن الكوني، ينبع منها هذا الشعر المكثف الذي قاوم بحضوره كل المتغيرات في طرق العيش وفي التواصل، صخب الألوان والروائح والمفاتن، ورهبة الطلول ومشقة المسافات، والغياب، ونبض القلب والتنفس، وبكاء الرجال حين يكون مستساغاً شعرياً، والاشتهاء المحموم، وجراح الفقد التي لا تلتئم. الفقدان الذي يغلب شجنه على خطاب هذا الشعر ممثلاً بالمفردتين الشائعتين في هذا الشعر «المرهون والغني» اللتين تعكسان بنية مجتمع ونوع علاقات، حيث الترحل الدائم وبقايا الديار المثيرة للحزن، وحيث قواعد صلة الدم والقرابة التي تُنزل العروس من كرمود زفافها حين يقرر ابن العم حَجْرها، مع علاقات حب مخلصة للطبيعة، تنشد الغريب والبعيد في الدم غريزياً، فتنمو على حافة هذا الاتفاق علاقات الحب المستحيلة التي شكلت فضاءً تدور فيه غناوة العلَم، وغيرها من الفنون، وأصبح الفقد والبكاء على أطلال المحبوب تراجيديا هذا الفن، وملحمته التي يؤلفها العديد من الشعراء.
هكذا كانت أمي تطلق أغانيها مع أنين الرحى في سكون الليل، كي تشبع حنين لولبها الجائع بـ«لهوة الحَبِّ»، وحنينها إلى زمن مضى. يتفجر نبع القمح الذهبي من كفها اليمني، وتلتف أصابع يدها اليسرى على «الهادي» أو المقبض الذي يحرك الرحى، فمرة يقسو الشظ أو الهادي الخشبي على اليد فتنمو الدمامل عليها: «الشظ دار في ليدين .. دبَر عقايري ما له دوا»، ومرة يتآكل الهادي في اليد وينسلخ: «كلنّه صوابع ليد .. الشظ يا رحى رايح اقند»، وهو صراع يُسقَط على الصراع في الحياة نفسها بين نعومة اليد (الأنوثة) وصلابة الشظ الخشبي (الذكورة).
ويفضي هذا التآكل المتبادل إلى تآكل آخر في أقراص الرحى الحجرية، فمرة يدور القرص العلوي مع عقارب الساعة كأنه يُعجِّل بزمن الوعود، ومرة يدور عكس الزمن متناغماً مع الحنين إلى الماضي في الأغاني، ومحافظاً على التوازن بين الذاكرة والقادم، حتى لا يتآكل العمر في اتجاه واحد. ويظل القرص يدور مع الأرض، يهدهد أحلام طفولتنا، لنصحو على رقعة الطحين المبلل بالدمع، وعلى نقر القاطر في ركن البيت في صباحات الشتاء الممطرة. نشم رائحة الخبز العابق من تحت رداء أمي وهي تنحني على وهج التنور، وبين يديها يتكور عجين القمح الذي «كاد البذّار»، وفي رجع الروح صدى مهاجاة لحلم لا يخفت، ولزمن تناثرت أيامه كالرقع الملونة في سقف البيت.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات