Atwasat

هنا يتقرر مصير البلاد

عطية صالح الأوجلي الثلاثاء 23 ديسمبر 2025, 07:59 مساء
عطية صالح الأوجلي

في حوار جانبي مع صديق ألماني، تطرق حديثنا لقضايا التعليم ومستقبله، حينها قال جملة لا زال صداها يتردد في أعماقي: «إن مستقبل الأمم تقرره مقاعد المدارس الابتدائية؛ فالمستقبل، يا صديقي، لا يرسمه الساسة في مكاتبهم، بل الأطفال في كراريسهم».

فتحت هذه الكلمات نافذةً كاشفة على واقعنا، ونقلتني فوراً إلى مشاهد أطفالنا في فصولهم المكتظة، وحقائبهم الثقيلة، ومناهجهم الضخمة، ومعلميهم المجهدين. وعدت بالذاكرة إلى «البنك الخشبي المتهالك» الذي كان يجمعنا، وإلى الدواية ورائحة الحبر، مقارناً إياها ببعض مدارسنا «الدولية» اليوم، التي تحول كثير منها إلى دكاكين تبيع الأوهام الملونة في أغلفة براقة، وانهمر في ذهني سيل من التساؤلات: هل يتلقى أطفالنا حقاً ما يؤهلهم لأن يكونوا فاعلين في مستقبلهم؟ وأي مستقبل ينتظرك يا بلادي؟

صناعة «الدرجات» وتزييف الوعي
بدأت المأساة حين تحولت الأسرة من شريك في التربية إلى «لاهث وراء تفوق زائف»، وأصبح «التقدير في الشهادة» غاية تبرر كل الوسائل. فصرنا نشاهد مدارس تهب العلامات الكاملة إرضاء «للزبائن»، ودروساً خصوصية تُلقن الإجابات، وغشاً يكاد يصبح حقاً مكتسباً. والنتيجة؟ شهادات لامعة وعقول خاوية؛ فالمجتمع الذي يتسامح مع «الغش» في التعليم، إنما يزرع بذور الفساد في كل مؤسساته المستقبلية.

النهايات المرة: «الحجامة في رؤوس اليتامى»
البدايات الخاطئة تقود دائماً إلى نتائج مأساوية. التعليم الرديء يمنح صاحبه «وهم المعرفة»، فيتوهم أنه يعرف كل شيء، ويمنحه جرأة في الإفتاء بلا حجة. وفي بلد أصبحت فيه الشهادات هي المقياس الوحيد، نجد الكثير من حاملي «الدكتوراة»، وبلا خبرة عملية، تسند إليهم قيادة المؤسسات والوزارات، فيكون الواقع تجسيداً مريراً لمقولة: «تعلم الحجامة في رؤوس اليتامى».

وهكذا تستمر الدائرة: تلميذ يغش، وطالب يلهث وراء ورقة، فخريج بلا مهارات، ثم «دكتور» بلا خبرة، ومدير بلا كفاءة.

المنهج: أداة بناء أم عبء ثقيل؟
هل صممت مناهجنا لتنمية العقل والروح والإبداع، أم مجرد أسوار من المعلومات المرهقة التي تحاصر العقول؟ لقد حولنا التلميذ إلى «وعاء صامت» يملأ ببيانات لا يتفاعل معها؟ وفي زمن صار فيه العالم بأسره بين أنامل أطفالنا، ما الجدوى من إرهاق ذاكرتهم بحفظ معلومات يستطيعون استدعاءها بلمسة إصبع؟ أخيراً، فعالية المناهج لا تقاس بحجمها وإنما بقدرتها على حث العقول على التفكير والنقد والتعبير.

المعلم: حجر الأساس المهمل
على يد من تتشكل أرواح أطفالنا؟، وكيف يعد هولاء الذين نضع بين أيديهم مستقبلنا؟ إن المرحلة الابتدائية هي الأهم في مراحل تشكيل عقول وقلوب الأطفال، مما يتطلب انتقاءً دقيقًا لا يقبل التهاون، ورجالاً ونساءً يدركون عٍظم الرسالة التي يحملونها.

إننا اليوم في مواجهة واقع يفتقر إلى ميزان حقيقي للعدالة والمهنية، ميزان يرى العطاء الصادق فيكافئه، ويرصد التقصير فيقومه. لن يرتفع لنا بناء، ولن تقوم لنا قائمة، مالم نُعِد للمعلم هيبته، نجذب إلى هذا المحراب أفضل الكفاءات، ونحِطهم بالرعاية والتدريب، والتقدير المادي والمعنوي الذي يليق بهم. فالتعليم في جوهره ليس مجرد مهنة للرزق؛ بل هو صمام الأمان الأخير، وشهادة التأمين لمستقبل البلاد.

لم يفت القطار بعد ... إشراقات من بعيد
رغم قتامة المشهد، إلا أن القطار لم يفتنا بعد، إن تحلينا بصدق المواجهة وتواضع التعلم من نجاحات الآخرين. فإستونيا، على سبيل المثال، استطاعت أن تتحول وخلال عقدين من الزمن من نظام تعليمي تقليدي إلى أحد أفضل أنظمة التعليم في أوروبا. بينما أعادت فيتنام تصميم المناهج، واستثمرت في عقول أطفالها، فحققوا نتائج متقدمة في امتحانات (البرنامج الدولي لتقييم الطلبة PISA)، أفضل من العديد من الدول الأوربية.

أما روندا، فقد نهضت من رمادها، لتبني نظاماً تعليمياً جديداً بالكامل عبر شراكات دولية، واستخدام فعال للتقنيات الحديثة. بينما قدمت سنغافورة الدرس الأهم حيث جعلت المعلم هو الرهان الأول، وربطت مقاعد الدرسة بنبض اقتصادها الوطني، فتبوأت مكانها بين الكبار. وحتى بين جيراننا، تبرز تجربة الأردن كمثال للنجاح رغم قلة الإمكانيات المادية.

هذه النماذج تبرهن على أن الإصلاح ممكن إذا ما انطلق من رغبة حقيقية في تطوير التعليم.

الخلاصة: حصاد مر أم فجر جديد؟
التعليم الجيد ليس الذي ينتج أعلى الدرجات، بل الذي ينتج إنساناً صادقاً مع ذاته، قادراً على التفكير، شجاعاً في إبداعه، أميناً في عمله. هذا هو الرأسمال الحقيقي للأمم.

الشهادة من دون مهارة كالبناء من دون أساس، ينهار عند أول تحدٍ حقيقي. مستقبلنا لا يقاس بدرجات أطفالنا بل بقدرتهم على بناء وطن، لنبدأ اليوم من تلك المقاعد الصغيرة حيث تتنافس الأمم.

ولنعلم أن ما نزرعه اليوم في مقاعد المدارس الابتدائية هو ما سنحصده غداً في قيادة الأمة - إما قيادة حكيمة، أو إدارة وهمية تقود خطانا، بلا وعي، نحو الهاوية.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»