Atwasat

حاجتنا إلى التعاطف

محمد عقيلة العمامي الإثنين 22 ديسمبر 2025, 01:13 مساء
محمد عقيلة العمامي

تقول الروائية البريطانية «شارلوت برونتي» في روايتها «جين إير»، التي صدرت في العام 1847: «الأحكام المسبقة يصعب اقتلاعها من القلب الذي لم تعالج تربته بسماد التربية والتثقيف، فتنمو فيه تلك الأحكام بعناد وصلابة، تماما مثلما تنمو الأعشاب الضارة بين الأحجار».

قرأت بمقال قديم عنوانه «اقتسام الآلام» أن مدير جامعة ما دعا الأساتذة إلى اجتماع، لبحث مشاكل طلبة يضايقون الجيران، وافتتح اللقاء بسؤال بسيط خلاصته: ما الذي يرون أنهم لم يعلموه لطلبتهم؟ فأجاب أحدهم: التعاطف، مستهلا حديثه بأن هذا الرأي خطر له بسبب عبارة قرأها ذات مرة على قبر ما، تقول صراحة: «صاحب القبر كان عطوفا جدا»! فأدرك أن صاحبها بالتأكيد كان محبوبا من الناس!

يقول هذا المدير: «حينها تأكدت أن هذا النصيحة الواجبة هي التي لم تعلمها المدارس للطلبة!». إن التعاطف هو رمز المدنية، والحقيقة أنه لو كان الناس متعاطفين لما كانت بينهم مشاكل مهما كانت قناعاتهم الاجتماعية والدينية والسياسية، وبالتأكيد لا تختفي مسألة الإنسانية، إذ نشعر بوحشية الإنسان تجاه أخيه الإنسان، فالبشر ليسوا متعاطفين بطبعهم، فوراء هذه البشرة الإنسانية الناعمة تكمن الوحشية والقسوة التي ورثها من أجداده البدائيين!

الحروب تشتعل ويتفنن الإنسان في ابتكار أسلحة الدمار، ولو شعر من ابتكر هذه الأسلحة بأوجاعها في جسده لما صنعها، فالكثير ممن يستخدمون السكاكين في إيذاء الحيوانات يتوقفون عن استخدامها فور أن يتأذوا منها!

ولقد انتبه العقلاء إلى أن تعليم الأطفال التعاطف هو شهامة وليس ضعفا، وأنه من العار ألاّ يكون الإنسان عطوفا على أبناء جنسه، بل حتى على الحيوانات نفسها.

«التعاطف هو ما نحتاجه» هو عنوان أغنية لفرقة الروك التقدمي البريطانية التي يقودها «رير بيرد»، وصدرت العام 1969، وحظيت بشعبية واسعة ليس في أوروبا فحسب، بل بالعالم كله، حتى إنها وصلت إلى المركز الأول في إيطاليا وفرنسا.

تُعبّر الأغنية عن شعور بضرورة تعميق التعاطف والتفاهم في خضم الانقسام العالمي والمحن، وتُسلّط كلماتها الضوء على «عالم يكره فيه نصف العالم النصف الآخر»، حيث يُترك للبعض القليل، بينما ينعم آخرون بالكثير. وتُكرّر الجوقة مرارًا وتكرارًا عبارة «التعاطف هو ما نحتاجه يا صديقي – Sympathy is what we need my friend»، ليُؤكّد هذا التكرار الرسالة الجوهرية للأغنية: إن غياب الحب والتعاطف يُسهم في المعاناة، واتباع نهجٍ أكثر تعاطفًا ضروري لمعالجة قضايا الإنسان.

تقول كلمات الأغنية: «لما تأوي إلى سريرك الليلة، وعندما تغلق الباب خلفك، هل فكرت في أولئك القابعين في البرد والظلام؟ فهل لأن الحب لا يكفي الجميع؟ لا، الواقع أن الله عندما خلق الحب جعله يكفي الجميع، غير أن التعاطف هو ما يتعين أن نخلقه نحن! لأننا نحتاج إليه يا صديقي، التعاطف هو ما نحتاجه يا صديقي، هل لأن الحب لا يكفي الجميع؟ لا، إنه يكفي الجميع، ولكن المشكلة أن نصف العالم يكره النصف الآخر، ونصف العالم لديه كل الطعام، والنصف الآخر يرقد ويتضور جوعًا في صمت، كل ذلك لأننا لم ننتبه إلى أنه يوجد حب يكفي الجميع. إن التعاطف هو ما نحتاج إليه يا صديقي الإنسان!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»