Atwasat

الحوار المهيكل بين رفض النخب واستهزاء البعثة.. إضاعة للوقت وإهانة لإرادة الليبيين

مراجع علي نوح الخميس 18 ديسمبر 2025, 05:24 مساء
مراجع علي نوح

بات من الواضح، اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن ما يُسمّى «الحوار المهيكل» أو «المتهالك»، كما نعته صديقي الأستاذ عمر النعاس، لم يعد إطارا جادا لمعالجة الأزمة الليبية، بل تحوّل إلى عبء سياسي جديد يُضاف إلى سلسلة طويلة من المسارات العقيمة التي فُرضت على الليبيين باسم «الدعم الدولي».

فهذا الحوار، الذي تفتقر خطواته إلى الوضوح، وتغيب عنه الموضوعية من خلال محاوره التي نُص عليها في مشروع الدستور، ولا يستند إلى تفويض شعبي صريح، قوبل برفض واسع من المتعلمين والنخب القانونية والدستورية، لا لعنادٍ أو تشدد، بل لإدراكهم أن هذا المسار لا يحمل حلولًا حقيقية، بل يُعيد إنتاج الأزمة نفسها بأدوات مختلفة.

الأخطر من ذلك أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تبدو وكأنها تتعامل مع إرادة الشعب الليبي بنوع من الاستخفاف السياسي، حين تستمر في الترويج لمسارات غير متوافق عليها، وتتجاهل وجود مشروع دستور مُنجز من هيئة منتخبة، وتصرّ على فتح مسارات موازية، تُبدّد الوقت وتُربك المشهد.

إن الحوار الذي لا يُحدد له سقف زمني، ولا يفضي إلى نتائج ملزمة، ولا يحترم المسار الدستوري القائم، ليس حوارا، بل مماطلة سياسية تُسهم في إطالة المرحلة الانتقالية، وتُغذي حالة الانقسام، وتُبقي البلاد رهينة للفراغ والوصاية غير المعلنة.

لقد سئم الليبيون من المؤتمرات والحوارات والموائد المستديرة، وسئموا أكثر من حلول تُطبخ خارج إرادتهم، ثم تُقدم لهم على أنها «توافق»، فالشرعية لا تُصنع في الغرف المغلقة، ولا تُمنح عبر بيانات دولية، بل تُستمد من صندوق الاستفتاء.

ومن هنا، فإن الخيار الأكثر عقلانية، والأقرب إلى احترام السيادة الشعبية، هو الذهاب مباشرة إلى الاستفتاء على مشروع الدستور، وترك الكلمة الفاصلة للشعب الليبي، لا للنخب المفروضة، ولا للبعثات الدولية.

إن الاستفتاء ليس مغامرة، بل هو الطريق الدستوري الطبيعي لإنهاء الجدل، وإغلاق باب المراحل الانتقالية، ووضع أساس شرعي لدولة مستقرة. أما الإصرار على الحوارات غير المحددة، فهو استمرار في الدوران داخل الحلقة المفرغة، وإمعان في إضاعة ما تبقى من وقت الوطن.

لقد آن الأوان لأن تُدرك بعثة الأمم المتحدة أن دورها داعم لا وصي، ميسر لا مقرر، وأن احترام إرادة الليبيين يبدأ بالاعتراف بحقهم في تقرير مصيرهم الدستوري، لا بتجاوزه، أو الالتفاف عليه.

إن مشروع الدستور الليبي يستمد شرعيته من كونه ثمرة عمل هيئة منتخبة مباشرة من الشعب الليبي بموجب إعلان دستوري نافذ، وهو ما يمنحه سنداً قانونياً أعلى من أي مسار حواري لاحق لم يحظ بتفويض شعبي مماثل، فالأصل في النظم الدستورية أن الشعب هو مصدر السلطات، ولا يجوز قانوناً تعطيل حقه في إبداء رأيه في مشروع دستور مكتمل عبر آليات توافقية موازية، أو حوارات مفتوحة بلا سند دستوري واضح.

كما أن الاستفتاء على الدستور يُعد إجراءً سيادياً داخلياً خالصاً، لا يدخل في نطاق اختصاص البعثات الدولية إلا من زاوية الدعم الفني أو المراقبة، دون التدخل في تحديد المسارات، أو استبدالها. واستمرار تجاهل هذا المسار يُشكل إخلالاً بمبدأ احترام السيادة الوطنية، ومخالفة صريحة لمقاصد الإعلان الدستوري نفسه، الذي جعل من الاستفتاء المرحلة الحاسمة للانتقال من الوضع المؤقت إلى الشرعية الدائمة.

وعليه، فإن أي مبادرات أو حوارات لا تنتهي صراحة، وبجدول زمني مُلزم، إلى الاستفتاء، تفتقر إلى الأساس القانوني، وتُعد عملياً تعطيلاً غير مباشر لإرادة الناخب الليبي، لا داعمة لها.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»