بدعوة كريمة من «المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية» بطرابلس، وبحضورٍ جميل من الأصدقاء، كُتَّاب وأدباء وصحفيين وباحثين أكاديميين، ومتابعين مهتمّين بالشأن الثقافي، ألقيتُ محاضرتي «المخاض التاريخي للاستشراق: تراث الشرق في فكر الغرب» في محاولةٍ لتسليط الضوء على ما خفي من حقائق تاريخية عن حركة «فكرية» عالمية، كانت وراء معظم نتاج التمييز المعرفي في العلاقة الثقافية التاريخية بين الغرب والشرق.
وتلخيصاً لما ذهبتُ إليه في محاضرتي، فقد حاولتُ أن أضع «الاستشراق» في سياقه التاريخي والفكري، فهو لم يكن في الأساس موضوعاً أكاديمياً معزولاً، أو سرداً لأسماء مدارس وباحثين ونصوص راسخة مختلفة؛ بل كان محاولة لقراءة واحدة «مقصودة» تجلت بأبعادها البنيوية في لحظات الاحتكاك بين الشرق والغرب، لحظة وُلد فيها «الآخر» بوصفه كياناً معرفياً لا بوصفه شريكاً إنسانياً، وجرى تعريفه وتفكيكه وإعادة تركيبه داخل منظومة فكرية واحدة متعدّدة النشاطات والأهداف، تخدم مركز القوة الصاعد، وتتفاعل مع تنامي مراميه في عالمٍ كان يرانا ولا نراه!
إن الاستشراق، في جوهره، لم يكن مجرّد فضولٍ علمي أو شغف باللغات والآثار والديانات، بل كان ثمرة وعيٍ غربيٍّ مبكِّر بأهمية «المعرفة» بوصفها أداة للسيطرة، وبأن الطريق إلى إخضاع الشرق لا يمرُّ فقط عبر السِّيف، بل عبر النصّ، والتصنيف، وإعادة إنتاج صورة الشرق كما ينبغي أن تُرى من عينٍ غربية متفوقة علوماً وفكراً وأدباً وفناً ونقداً، وهو ما كان في تمظهرات «الحداثة» الغربية بشيوع نصوصها النثرية والسردية، وتأثيرها الإبداعي على النص الشرقي!
لقد ازدهر الاستشراق في مرحلة تاريخية دقيقة، حين كان العالم يشهد تحوُّلات كبرى في بنية القوة، وبدأ الغرب الأوروبي يتشكل بوصفه مركزاً حضارياً جديداً بعد قرون من التلمذة الطويلة على منجزات الشرق العلمية والفلسفية. ففي الوقت الذي كان فيه الشرق يعيش حالات من الجمود السياسي والانقسام، كان الغرب يعيد قراءة التراث الشرقي لا ليعيد إليه الاعتبار؛ بل ليستخلص منه ما يخدم مشروعه النهضوي، ويحوله إلى مادة خام تعاد صياغتها داخل منظومة معرفية جديدة، تُنسب لاحقاً إلى «العبقرية الغربية». ومن هنا، لم يكن الاستشراق بريئاً في أدواته ولا محايداً في نتائجه، لأنه نشأ في ظل ثقافة استعلاء رافقت نشوء الدولة القومية الأوروبية، وتغذّت على منطق التفوق العرقي والحضاري، وسعت إلى إنتاج عالم ثنائي، مركز مُنتج للهِيمنة، وأطراف مستهلكة لها.
لقد سبق الاستشراق، بوصفه مشروعاً معرفياً منظّماً، التطوُّر التقني ووسائل الاتصال الحديثة، واعتمد على الجهد البشري المباشر من خلال الرحّالة، والمبشرين، والمترجمين، والبعثات العلمية، والقناصل، ثم الإدارات الاستعمارية.. وهؤلاء لم ينقلوا الشرق كما هو، بل أعادوا صياغته وفق حاجات السياسة والاقتصاد والخيال الأوروبي. فصار الشرق فضاءً ثابتاً، خارج الزمن، غارقاً في الأسطورة، عاجزاً عن إنتاج حداثته، ومحتاجاً دوماً إلى الوصاية. وهذه الصورة لم تكن توصيفاً لحالة ثقافية، بل كانت تبريراً أخلاقياً للاستعمار الذي جاء لاحقاً ليقدّم نفسه بوصفه «رسالة حضارية»، لا نهباً منظّماً للثروات والإنسان!
مع مرور الزمن، تراكم هذا «الاستثمار المعرفي» في الشرق حتى بلغ أهدافه الكُبرى.. فلم يعُد الغرب بحاجة إلى الاستشراق الكلاسيكي بعد أن رسّخ صورته عن الشرق في الوعي العالمي، وبعد أن أعاد تشكيل النخب الشرقية نفسها وفق مقاييسه وقيمه. ومع دخول العالم عصر العولمة والثورات الرقمية، خفّ بريق الاستشراق كنشاطٍ تقليديٍّ وتحوّل إلى أشكال أخرى أكثر تعقيداً، فتخفّى في خطاب الحداثة، والتنمية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعمل بالآليات ذاتها، إنتاج المعرفة من المركز، وتصديرها إلى الأطراف بوصفها الحقيقة النهائية التي تقود العالم، ضمناً.
إن أخطر ما خلّفه الاستشراق ليس تشويه صورة الشرق في عيون الغرب فحسب، بل تفريغ الشرق من ثقته بذاته. لقد وجدنا أنفسنا، بعد قرون من هذا المخاض التاريخي، أسرى معرفةٍ صُنعت عنا لا بأيدينا، وصرنا نستهلك مفاهيم الحداثة كما تُستهلك السلع دون أن نكون شركاء في إنتاجها.. ولقد أصبح سؤال «الحداثة» ملكاً حصرياً للغرب، فيما وقف الشرق مرتبكاً أمام سؤال «ما بعد الحداثة»، عاجزاً عن استيعابه أو مساءلته، لأنه لم يحسم بعد علاقته بذاته وتراثه وهويته.
لقد مرّ زمن طويل منذ الحروب الصليبية، ومنذ بدايات الزحف الاستشراقي، ومنذ نفوذ البعثات والقناصل، وصولاً إلى التمثيل السياسي والدبلوماسي بعد الحروب العالمية الكُبرى، التي أعادت تقسيم العالم إلى خرائط هشّة من أعراق وقوميات وثقافات متنازعة. لكنّ جوهر العلاقة لم يتغير كثيراً: قوى عظمى تحتكر العقل المُنتج، وتفرض منطقها على عالمٍ جُرِّد من شروط إنتاج المعرفة، فصار تابعاً في فكره قبل اقتصاده وسياسته.
من هنا، فإن قراءة الاستشراق اليوم لا ينبغي أن تكون بكائية على الماضي، ولا دعوة ساذجة إلى القطيعة مع الغرب، بل مساءلة نقدية جذرية لآليات إنتاج المعرفة، ولموقعنا نحن داخل هذا العالم.. فالمشكلة ليست في أن الغرب درس الشرق، بل في أن الشرق توقّف طويلاً عن دراسة نفسه، وعن إنتاج أسئلته الكُبرى. والاستشراق، في نهاية المطاف، ليس حدثاً تاريخياً منتهياً، بل بنية فكرية ما زالت فاعلة ما دمنا نعيش خارج شروط السيادة المعرفية، وننظر إلى أنفسنا بعيون غيرنا، ونبحث عن خلاصنا في مراكز القوّة ذاتها التي صنعت هشاشتنا.
إن استعادة الذات لا تمرُّ عبر رفض التراث الغربي أو تمجيده، بل عبر تفكيكه ونقده، وإعادة قراءة تراثنا نحن بوصفه مادة حيّة قادرة على الحوار مع العالم، لا بوصفه مخزناً للنوستالجيا. عندها فقط يمكن أن يتحوّل الشرق من موضوعٍ للدراسة، إلى ذاتٍ فاعلة في إنتاج المعرفة، ويغادر موقع الضحية إلى موقع الشريك في صياغة مستقبلٍ إنساني أكثر توازناً وعدالة، وهي الحقيقة الماثلة، نتاج المعرفة بسؤال الآخر في الوجود!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات