Atwasat

خلاص الجسد رغبة وجودية

سالم العوكلي الثلاثاء 16 ديسمبر 2025, 02:04 مساء
سالم العوكلي

أذكر أنني في صباي، وعندما كنت راعياً في هضاب القيقب، تحصلت على ثلاثة أشياء ربما شكلت حافزي الأول لمحاكاة هذا الجمال: ديوان «طفولة نهد» لنزار قباني، ورواية «الزنبقة السوداء» لـ ألكسندر دوما؛ التي كانت مقررة في منهج التعليم الثانوي، وجهاز كاسيت بدائي معه شريط واحد هو أغنية «أنساك» لأم كلثوم.

شكل هذا الثالوث الفني بذور شغفي الأول (طبعاً بالإضافة إلى ولعي بالشعر الشعبي وغناوة العلم)ـ تداخل الشعر والسرد عبر الكتابين، وحضور الموسيقى التي كنت في ذلك الوقت أقتنص فيها حساً شعبياً مشبعاً، مع كلمات الأغنية التي تظهر سرديتها الواضحة وإن كانت بشيء من التجريد، شكلت في مجملها الملمح الأول لاجتهادي في الكتابة.

لم أكن في البداية أحب أم كلثوم لكنني كنت مضطراً لسماع الشريط الوحيد الذي أملكه لقتل ملل راعٍ يدور بقطيعه في تلك الهضاب، لكن مع التكرار بدأ ذلك الصوت الصافي يتوغل في داخلي، وبدأت أتلمس الطريق إلى شجن غنائي كسا الأغنية العربية عموماً بصبغته حيث شكلت الظواهر الصوتية ملمح هذه الحقبة، في الشعر، في الغناء وفي السياسة.

شكّل نزار قباني مدخلي الواسع إلى عالم الشعر المختلف عما قرأته في مادة النصوص، ومع اكتشافي لمحمود درويش بدأ تأثيره يتلاشى تدريجياً، وفي نهاية السبعينيات أسمعني الصديق سالم الزني شريطاً مسجلاً لقصائد محمد الشلطامي بصوت الشاعر أحمد بللو الذي لم أكن أعرفه في ذلك الزمن الذي كان يقضيه في السجن بعد انتفاضة الطلاب عام 1976. شكل هذا الشريط المسموع نقطة تحول مهمة في تجربتي.

محمد الشلطامي شاعر ليبي وغنائي كبير يرفض كل أشكال القمع ويتغنى بأحلام الفقراء، وبصوت شاعر آخر يرزح في تلك اللحظة تحت نير القمع، ومن لحظتها أصبحت أتساءل باهتمام عن تلك القوة الكامنة داخل هشاشة الشعر وهو يصدح في قلب غابة من السكاكين وخلف القضبان. تولّد هذا الإحساس مع محمود درويش، لكني لم أستطع لمسه إلا عبر تجربة نابضة تقوم بجواري وضمن كينونتي وصيرورتي الشخصية، لكن الثورة في الشكل تعرفت عليها في قصائد محمد الماغوط الأكثر جرأة في كتابة قصيدة النثر في مرحلة التأسيس.

كنت أستطيع القبض على الكثير من الجمال في الجملة النثرية، وفي الصورة والمفارقة، وفي حس السخرية العالي، وعندما انتقلت إلى درنة في بداية الثمانينيات كنت أحمل معي مخطوطين من القصيدة النثرية التي تصادمت مع هيمنة سلطة تقليدية تزدري الشعر دون أوزان وقافية.

البعض قال إنها نصوص جميلة ولكنها ليست شعراً، وهو رأي طالما أربكني، هل ثمة تعريف محدد للشعر؟ وهل ممكن أن يصمد أي تعريف لأي حقل فني مفتوح للتجريب والابتكار؟ لكن تعرُّفي على الشاعرين، أحمد بللو وعبدالسلام العجيلي، شكّل براحاً للنقاش حول القصيدة النثرية والحداثة الشعرية بصفة عامة. لم ير المخطوطان النور لكنهما مثَّلَا مرحلة مران مهمة على معالجة النص الشعري في منطقة كانت ما زالت خاماً في ليبيا تلك الفترة.

أنا عشت في بيئة حسية ما زالت تحتفظ بمسحة من وثنية عتيقة. عندما كنت طفلاً كان يقام سنوياً مزار لأولياء صالحين نسميه «الحَوْل». كانت المقبرة الصغيرة أو «الروضة» كما تسمى، مسيجةً بسور حجري مطلي بالأبيض حول عدة قبور متجاورة تحت أكوام صغيرة من الحجر الأبيض، يتوسطها مقام لولي صالح، تقترب منه العجائز والشيوخ للدعاء والمسح بترابه الأبيض على وجوههم ثم وجوهنا، وكنت أعتقد إلى حد كبير وبخيال طفولي أن الذي يرقد هناك هو الله.

كان التجسيد ضرورياً للإيمان في مجتمع حسي، وكان النحت فنه الطبيعي الذي تفرضه الضرورة؛ نحت معدات بيت الشعر والأواني من خشب الغابة، وشغل الخزف في التنور والجرار، والرحى من الصخر الناري، وفضلاً عن ذلك كانت الغابة براحاً كبيراً للإيقاع الجنسي الكوني لكل ما هو حي، وكان هذا الطقس حاضراً عبر كل مواسمه.. ثمة تلاغٍ جسدي يحوم حولنا لا يمكن إلا أن يثير فينا الكثير من الفضول ومن النشوة أيضا، وكانت الأعراس الشعبية تتحول إلى احتفال أيروتيكي رمزي يستلهم روح المناسبة، من صياغة القصائد التي يُتغنَّى بها جماعياً (المجاريد) بما يشبه أغاني الراب في هذا الزمن، وبكل محتواها الأيروتيكي، إلى رقصة الكشك التي لا تخلو من مثل هذه الإيحاءات، إلى طقس فض البكارة بشكل علني واحتفالي تصاحبه الأهازيج الجنسية والزغاريد المشتعلة بالرغبة.

إنه مجتمع أقرب إلى الوثنية في طقوسه وإن كان موحِّداً في إيمانه. ربما كل ذلك ولّد فيَّ هذا الشغف بتجليات الجسد وحضوره القوي في جل كتاباتي، ليس بحضوره الأيروسي فقط لكن ككينونة وجودية. ومن خلال هذا التلمس الحسي البدائي، ومع مزيد من الاطلاع والإحاطة بتاريخ الجسد، بدأت أتناول مسالة الجسد كسؤال سياسي وحقوقي واقتصادي أيضا. وصرتُ أقترب من فكرة أن إهمال مسألة الجسد في مشروعنا التنويري الحديث ــ رغم أنه حاضر بقوة في التراث ــ وراء الفجوة العميقة في هذا المشروع التجريدي، وعتمة الكبت والمسكوت عنه كانت تحفر أنفاقها داخله. وبالتالي صار الجسد المسكوت عنه والمنجَّس ملعباً لسياط السلطة وأدوات تعذيبه والتنكيل به، وصرت أعتقد بشدة أن العقل لن يتحرر إلا إذا تحرر الجسد.

في ثقافتنا الليبية ظل البحث في مسألة الجسد مؤجلاً، وحتى في كتابات النيهوم الفكرية الجريئة، أو يوسف القويري النقدية، أو خليفة التليسي الموسوعية، وفي الإبداع عموماً لم يكن حاضراً بوضوح، ما جعل أيضا هذه الإرهاصات التنويرية تذوب في حالة تجريد للكينونة الإنسانية، في صالح اهتمام مجرد بنقد بنى التخلف أو نقد الوعي أو أدبيات التنشئة أو مفهوم المكان أو قلق الهوية. أنا أرى ــ كما تقول في توطئة سؤالك ــ أن خلاص الجسد من ترسيماته المغلقة خلاص مجتمعي وروحي وسياسي ووجودي.

ثمة مفهوم واسع للشعرية التي تظهر في القصيدة وفي الرواية والمسرح والسينما، وغيرها من الفنون المحتشدة بالإيقاع والمجازات، لكن التراث العربي، الذي انصاع لفترة طويلة للنص الشعري الذي ما فتئ يكرر نفسه لأكثر من ألف سنة، اختزل مفهوم الشعرية في القصيدة الغنائية، وما غير ذلك يخرج من هذه الدائرة، وهو المنحى الذي جعل العديد من النقاد يترددون تجاه تجربة المعري التي يعتبرونها فلسفية أكثر من كونها شعرية، لأنه تحرك بالخيال الشعري صوب مناطق غير مأهولة سابقاً في ثقافةٍ تعتبر كل غير مألوف بدعة وضلالة. وشكِّل هذا التداول القاصر مع تجربة المعري، الذي لم يخلف سلالة شعرية، خسارة كبيرة للشعر العربي.

حصل هذا اللبس أيضاً مع ترجمة ابن رشد لكتاب الشعر لأرسطو، حيث عمل على ترويض هذا الكتاب للمرجعية التراثية المعروفة، فترجم الكوميديا إلى شعر الهجاء، والتراجيديا إلى شعر الرثاء، وذوّب المسرح ــ كظاهرة معمارية في الفن المجسد ــ في غنائية القصيدة العربية. لذلك تأخر اكتشاف العرب للمسرح كبراح تجسيدي للصراع وملتقى للفنون البصرية والسمعية، وأوغلوا في التجريد والمونولوج الذي مازال يهيمن في الفنون وفي الفكر وفي السياسة.

تفطَّن الناقد خليفة التليسي مبكراً لجوهر الشعرية، ونظّر لها عبر آراء منثورة في سياق كتاباته النقدية عن الشعر، حيث اعتبر السارد موباسان شاعراً عظيماً، واعتبر الكون الشعري لدى توفيق الحكيم أكبر منه عند أحمد شوقي، كما كانت إصداراته من «مختارات من الشعر العربي: قصيدة البيت الواحد» تطبيقاً على نظريته عن مفهوم الشعرية والتفريق بينها وبين الصناعة الفنية.

لم يتراجع الشعر عن موقعه، ويثبت ذلك إحصاءات الطباعة والتسويق التي تزداد باطراد، لكنه تجاور مع حقول أخرى تزاحم الشعر في جمالياته وتسحب من جمهور غاويه، ولم يعد الصادح الوحيد - كما كان - في هذه الصحراء، كما أن الشاعر لم يعد يقرأ الشعر فقط، لكنه صار ولوعاً بكل ضروب المعرفة التي تخدم قصيدته، أو التي تجعله يكتب الرواية والنقد والفكر والمسرح والسيناريو ضمن حقل الشعرية الواسع. إن التخصص الدقيق في العلوم يقابله تشظٍ واضح في الفن، وهو تنوع طبيعي ومقاوم لهذا التحويل للإنسان كترس صغير له دور محدد في الوجود. إن التقنية تُحوّل الإنسان إلى ميكروفرد لا يمكنه أن يعمل إلا ضمن قانون الآلة الضخمة، والفن يدافع عن فرادة الكائن الإنساني.

* من رسالتي إلى الصديق أحمد الفيتوري رداً على أسئلة تخص مدونته سريب العام 2005. ومضمنة في مخطوطي (بخور الشعر: سيرة قصيدة في المكان) قيد الطبع.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»