إن فكرة التصحيح واستعدال المعّوج يحوّلها المؤسّس من حمّى القهر، من فكرة رائدة إلى جسم جريمة مجرد.
هكذا تبدأ أولى محطات هذا الكتاب الذي يحكي قصة كأنها من الخيال، وكأن بطلها من عالم آخر ليس عالمنا. وحين تتعمق في الشخصية المحورية في هذا الكتاب ينتابك شيءٌ مثير وهو أن القهر والعسف والاستبداد وضياع معاني الإنسانية تنتقل لك دون عناء، وكأنك أنت من عشت هذه التجربة حينما تتمادى معك المحطات الصعبة والمريرة في حياة هذا الرجل الذي عاش مواجهة نادرة بين العدم والموت الطبيعي للبشر، كأنك من عانقت عيناك تلك الجدران القديمة المتهالكة.
وأنت أيضا من تحسست ذاك القبو المخيف الذي تواجد فيه عبدالونيس محمود انفراديا أحد عشر عاما وكأنه راهب في دير في نهاية هذا العالم. حضرت في الرباط المؤتمر الصحفي لكتاب الضابط محمد الرايس «تازمامارت » وهو أحد ضباط محاولة الصخيرات 1970 والتي كان هدفها الإطاحة بملك المغرب.
و«تازمامارت » هو السجن الذي سجن فيه ضباط محاولة الصخيرات 1971 وفي المؤتمر الصحفي سأل صحفي محمد الرايس: «هل فكرت حين يخسر الكولونيل أعبابو قائد الانقلاب المحاولة ما هو مصيرك؟ فقال له وهل سألت نفسك لو نجح أعبابو كيف ستكون حياتي أنا؟»، هذه هي المعادلة التي عرف سرّها مبكرا عبدالونيس محمود كضابط محترف وأستاذ في الكلية العسكرية ومثقف يستوعب مثل هذه المحاولات التي إما أن تطيح برؤوس كبيرة أو بضحايا المغامرة نفسها.
أي أنه لا خيارات مفتوحة حين تدخل لعبة شبيهة بلعبة «الروليت». كان المعتصم القذافي يقول لضباط أبيه «أبي جَابها ببندقيته في سبتمبر 69. ومن يريدها عليه أن يختار الطريق نفسه» هذا هو الطريق الذي بحث عنه ضباط محاولة موسى أحمد وآدم الحواز أول ثغّرة واجهتها هذه المحاولة الانقلابية وشكلت ضعفا في بنيتها وهي افتقار جّل ضباطها للثقافة السياسية والحّنكة في إسقاط نظام جاء في لحظة فارقة من تاريخ ليبيا وأسهمت الظروف في جعله مقبولا من أغلبية ساحقة كانت تتشوق للتغيير في البلاد فقط، وراهنت على مستقبل واعد لكنها كانت تهرول خلف سراب.
ثلاثة ضباط فقط في هذا التنظيم كانت لهم ثقافة سياسية إلى جانب حرّفيتهم العسكرية ومعرفه بالمشهد السياسي وما يجرى في البلاد، وهم آدم الحواز ومفتاح الشارف وعبدالونيس محمود. كانوا أصحاب علاقة بتنظيمات سياسية ولهم دراية بهذه المحاولات التي تهدف للوصول للحكم وتداعيات أي خسارة في هذا العمل الخطير والصعب، أي أن ثقافتهم ووعيهم كان عاليا حينما فكروا في هذه المغامرة. غرامشي يقول الثورة مغامرة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات