يبدو أن أول روائي في تاريخ الإنسانية الكاتب الجزائري الأمازيغي لوكيوس أبوليوس، عندما كتب روايته الجحش الذهبي كان يكتب عن طرابلس اليوم، وليس طرابلس التي أقام بها عدة سنوات قبل 19 قرناً، على الرغم من أن مسرح الرواية وكذلك الشخصيات ليست في طرابلس، وإنما في المدن اليونانية التي يعرفها جيدا، منذ إقامته في أثينا للدراسة، فدرس الفلسفة والطب وتأثر بفلسفة أفلاطون المثالية، ولكنني أرجح أن فكرة الرواية انبثقت في ذهنه عندما كان مقيماً في طرابلس، بسبب المشاكل والتحديات التي تعرض لها من أهالي المدينة، وهي مشاكل كانت ستعرضه إلى عقوبة الإعدام وفقاً للقانون الروماني بتهمة ممارسة السحر.
هذه المشاكل لم يتعرض لها أبوليوس في أي مكان آخر، منذ أن ولد في بلدة تقع على بعد 50 كلم جنوب العاصمة الجزائرية، ورحلاته التعليمية في قرطاج وروما وأثينا ومدن آسيا الصغرى والإسكندرية، وبينما كان في طريقه من بلده إلى الإسكندرية توقف في طرابلس، والتقى بأحد زملاء دراسته في أثينا فاستضافه في بيته، وتعرف على والدة زميله وهي أرملة ثرية امتنعت عن الزواج على الرغم من كثرة الخطاب طمعاً في ثروتها، وكانت تكبر لوكيوس بأكثر من عشر سنوات، فهو كان في الثلاثين بينما هي تجاوزت الأربعين، فقرر الإقامة في طرابلس حيث مارس الطب والتعليم، وتزوج من الأرملة التي رأى أقرباؤها أنه خطف منهم ثروتها، فاتهموه بالتأثير على الأرملة بالسحر، وهي تهمة خطيرة عقوبتها الإعدام، فاستعد للدفاع عن نفسه في محكمة عقدت بصبراتة بمرافعة رفيعة، أثبت من خلالها أنه كان يمارس العلم وليس السحر، تلك المرافعة التي ترجمها الدكتور خشيم في كتاب «دفاع صبراتة» أيضاً عن اللغة الإنجليزية مثلها مثل رواية تحولات الجحش الذهبي وصدرت العام 1979، وهو ما يعني أن الدكتور خشيم لم يترجمها عن اللغة اللاتينية التي كتبت بها المرافعة والرواية، لأن الدكتور خشيم لا يجيد اللغة اللاتينية، ومع ذلك مر بتحولات فأصدر فيما بعد كتاب «اللاتينية العربية»، وكتاب «سفر العرب الأمازيغ»، وهو أيضاً لا يجيد اللغة الأمازيغية، باستثناء أنه كان يعود إلى المعاجم ليثبت عروبة كل هذه اللغات.
كتب أبوليوس روايته أثناء إقامته في روما بعد خروجه من طرابلس بعدة سنوات، ولا نعرف ماذا حدث له في طرابلس قبل مغادرته. هل توفيت زوجته وآلت إليه ثروتها الكبيرة؟ أم أنه ترك كل شيء ونفذ بجلده من هذه المدينة التي كاد أن يفقد حياته فيها؟ أبوليوس تصرف مثل أي مهاجر فقد ثروة عائلته التي أنفقها على الرحلات والتعليم، واستغل أول فرصة أمامه ليستعيد تلك الثروة من خلال زواجه من سيدة تكبره بعدة سنوات، وتجربته في طرابلس جعلته يحتاط في أي مكان آخر، ولذلك كتب روايته في روما عن مدن يونانية وليس عن طرابلس أو روما، فمهما حدث لن يحاكم في روما بتهمة السحر أو أي تهمة أخرى، كما كان يحتاج إلى المرور من طرابلس مرة أخرى، إذا فكر في السفر إلى الإسكندرية التي كانت من أهم المراكز العلمية والثقافية على البحر المتوسط في ذلك الزمان.
ما الذي تغير في طرابلس بعد 19 قرناً؟ فالشاب لوكيوس في الرواية كان يتمنى أن يتحول إلى طائر، أي أن يحلق في السماء وأن ينتقل إلى أفق أبعد، ولكن خادمة الساحرة التي تقرب منها أخطأت حين سرقت مرهما آخر، وهو المرهم الذي بدلا من أن يحول لوكيوس إلى طائر حوله إلى حمار. أليس هذا ما حدث للشعب الليبي بعد انتفاضة 17 فبراير؟ فبدلا من أن يتقدم تحول إلى حالة بهيمية، ومثلما حدث للوكيوس فقد صوته عندما حاول أن ينطق، ووجد نفسه تحت سطوة لصوص لا رحمة لهم، وانتقل الحمار من مالك إلى آخر، مثلما انتقل الشعب الليبي من حكومة إلى أخرى في الغرب والشرق والجنوب، وإذا حاول أن ينهق ينهالون عليه بالضرب، وشيوخ الدين يصرخون في وجهه «إن أنكر الأصوات لصوت الحمير»، بينما تعقد المؤتمرات لحل الأزمة الليبية في كل مكان، ما عدا ليبيا، وإذا عقدت في ليبيا فالشعب ليس له صوت هو فقط مربوط بالسلاسل خارج القاعة.
تشبه رواية التحولات حكايات ألف ليلة وليلة من حيث بنيتها السردية، فهي أول رواية إطارية تتكون من إطار عام داخله تتوالد الحكايات، وتحويل الشاب إلى حمار فكرة ذكية، فالناس تنكشف بالكامل أمام الحمير، ولكنهم يضعون أقنعة النفاق الأخلاقية والدينية أمام بعضهم، ويستخدمون اللغة لتمرير خداعهم، وهي نفس اللغة التي يستخدمها السياسيون والعسكريون ورجال الدين اليوم في ليبيا.
لغة غير مقنعة حتى للشاب الذي تحول إلى حمار، لأن عقله لا يزال يعمل بكل ما يملكه الذكاء البشري في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث لا يزال السحر مزدهرا عن طريق فرق مطاردة السحر في المقابر، ولجان الحصين التي تطارد الجن في حرائق الأصابعة، ليس فقط في طرابلس بل أيضاً في صبراتة؛ حيث حوكم أبوليوس بتهمة ممارسة السحر قبل أكثر من 1900 سنة، ولهذا عمد أبوليوس إلى نقل الحمار المسحور من يد إلى أخرى ليفضح تقريباً كل فئات وطبقات وشرائح المجتمع، أمام حمار فقد القدرة على النطق ولكنه لم يفقد عقله، ومن حسن حظنا يختم أبوليوس الرواية بعودة الحمار إلى إنسان مرة أخرى ليروي ما حدث له، ولكنه يتحول إلى إنسان بعد أن يأكل الزهور البرية التي لا تخرج إلا في الربيع، أي أن أبوليوس يقول لنا إذا فشل الربيع السابق فالخطأ ليس في الربيع. الخطأ في الإنسان الذي حاول أن يحقق حلمه دون معرفة تمكنه من التمييز بين المراهم، ولكن في كل عام يأتي الربيع وهي فرصة لتأكل الحمير من الزهور البرية لتعود إلى بشر من جديد، وعندها يمكنها التحليق في السماء إلى أفق جديد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات