البيئة تصنع الهُوية، وحيثما يكون الإنسان يكون عالمه المعرفي وإن لم يصنع فيه شيئاً سوى تلقيه لمعرفة بدائية نشأت بشروط المكان وزمانه، أو لمعرفة جديدة طارئة، وفدت إليه من المدينة بوسيلة شخص يمتطي جواداً أو حماراً، أو أشخاص في قافلة عابرة، أو تماهياً، بوسائط جريدة أو راديو!
لا يزال الفارق بين المدينة والريف يشكل أحد أهم المفاتيح لفهم تحولات المجتمعات العربية، وإدراك طبيعة الوعي الذي يتشكل داخل بيئات متفاوتة في إيقاعها الحياتي وعمقها التاريخي، وعلاقتها بالمكان.. وما يظهر للوهلة الأولى على أنه تباين في نمط العيش، يتكشّف عند التأمل بوصفه اختلافاً في الحيثيات التي تصنع نظرة الإنسان إلى الزمن، وإلى الآخرين، وإلى ذاته.. ومن تفاعل هذه الجدلية ينشأ ما يمكن وصفه بـ«التلاطم المعرفي»، ذلك الاحتكاك الهادئ أحياناً، والتوتر الخفي أحياناً أخرى، بين عالميْن يملكان إيقاعيْن مختلفيْن للحياة!
إلى وقتٍ قريب كانت مواد المعرفة شحيحة في المجتمعات المتخلفة، تحضر وتغيب، وتتأسّس وتتلاشى، بسبب ندرة أو ابتعاد وسائل التواصل، فالحياة البدائية عند بادية العرب، أو حياة البدو في القرى والأرياف تحديداً، لم تكن قائمة على فكرة الاستشراف كما الحال في المدينة التي تتكوّن فيها الحياة بمواد المعرفة الغزيرة فتتأصل في سلوكيات ساكنيها وتغدق علهم المزيد عبر مختلف الوسائل، بعكس سُكّان القرى والأرياف الذين يكتفون بالقليل في مجتمع صغير محدود الاحتياجات. وبهذه المفارقة كان الفارق الحضاري واضحاً بين مكونات حياة البادية، ومكونات حياة المدينة.
كانت الحاجة في البادية هي الدافع الأهم للبحث في سبيلها من أجل الاستقرار العشائري الذي يتوسّع على قاعدة هوية اجتماعية مشتركة تضمن العيش المشترك بين الأفراد وتكفل الوجود الجمعي للقبيلة.. وإذا كان أهالي القُرى والأرياف يعيشون بأدوات الحاجة التي صنعوها بأيديهم وتوارثوا تقاليدها جيلاً بعد جيل، كصناعة بيوت الصيف المكونة من رُتق الملابس والأقمشة القديمة، وبيوت الشعر الشتوية المصنوعة من وبر الإبل وشعر الماعز، والمحاريث والحصاد بالمناجل وطُرق الري ورحي الحبوب وتخزين المأكل واللحم المجفّف «القدّيد»، إلا أن أهل المدينة، بما ينعمون، كانت حياتهم تتطلب الكثير من المعرفة باحتياجات الحياة، وقديماً عرف سُكّان المدينة الكهرباء والأرصفة والعربات والأسواق قبل سُكان القرى والأرياف الذين عاشوا على مصابيح الزيت والشمع والكيروسين، وكانت وسائل نقلهم الخيل والإبل والحمير!
على الرغم من الحيثية الفارقة بين الثقافتين المنتجتين للسلوك البيئي بمظاهره الطبيعية، تتأسس الحيثية، في معناها العميق، على مجموع الملابسات المكوِّنة للظاهرة البيئية، بشروطها وتموضعها وحركتها الاعتيادية ضمن سياق اجتماعي وثقافي واقتصادي متشابك.. وحين نتأمل الفارق الحضاري بين سكان المدن وسكان القرى والأرياف، فإننا نقف أمام نموذجيْن مختلفيْن من الحيثية الإنسانية، منها نموذج يُدار بالتراكم المؤسسي والتنوع الوظيفي، وآخر يتشكل تحت وطأة الأرض والتقاليد القبلية واستدعاءات الجماعة. وهنا يتكشف ما يمكن وصفه جدلياً بـ«التلاطم المعرفي» أي اصطدام أنماط العيش المختلفة وتفاعلها في إنتاج معارف وسلوكيات ومواقف متباينة.
فالمدينة، في النقيض، تمثل الفضاء الذي تتكثّف فيه الخبرة البشرية، وتتعقد فيه بنية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فالحياة الحضرية في المدينة تُعيد تعريف الزمن بوصفه مورداً قابلاً للقياس والاستهلاك، كما تُعيد تشكيل الفرد في إطار مؤسسات تتطلب التخصُّص والدقة والكفاءة، وهنا تحديداً تتسع العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والجماعات، لكنّها تفقد شيئاً من عمقها في الوجود، إذ يتراجع في المدينة حضور العائلة الممتدّة لصالح الفرد المنخرط في منظومة معقدة من الواجبات والخيارات، وتتسع المعرفة بلا قيود، ويتسارع تدفقها بلا حدود.. وبهذا تتولد طبقات جديدة من الوعي بفعل التكنولوجيا والتنوع البشري الماثل في كل زاوية من زوايا المدينة، في مجالس مقاهيها وفي أنديتها ومسارحها وسينماتها، وحدائقها وصالوناتها الثقافية والاجتماعية، وفي جامعاتها ومعارض فنونها وندواتها ومؤتمراتها، وحتى في عروض أزيائها ونجومها ونجماتها، وهي المدينة المتاحة دائماً على مهرجانات الغناء والألعاب الرياضية والتي شهقت مبانيها من العمارات إلى الأبراج، في حين أخذت من القرى ساحات الفروسية فأقامت سباقات ركض الخيل والهجين!
كانت القرى والأرياف دائماً في النقيض مع المدينة بوصفها فضاءً مختلف الحيثيّات، فضاءً تحرسه الأرض بذاكرتها، وتنسجه العائلة والقبيلة بجذور الامتداد التاريخي والتماسك الاجتماعي.. وهنا لا يُنظر إلى «الزمكان» الريفي بوصفه جدولاً مُحكماً، بقدر ما يُرى إيقاعاً يومياً متصالحاً مع الفصول، ومع طبيعة العمل الحرفي والفلاحي وما تنتجه الأرض من قمح وزيتون وفواكه وتمور.. لذلك فالعلاقات الاجتماعية في القرى والأرياف أقل اتساعاً في المكان، لكنّها أكثر عمقاً كونها تقوم على الثقة والقرابة وتبادل المنفعة مع محيطها القروي، ولذلك فالمعرفة هنا أقل تشعَّباً في حياة الأفراد والجماعات، ولكنّها أشدُّ اتّصالاً بتفاصيل الحياة اليومية.
بين هذيْن العالميْن المختلفيْن بيئياً، يتشكّل التلاطم المعرفي بين قيم الحداثة وقيم التقليد، بين الفردانية الواسعة في المُدن، والجماعية المتماسكة في الرّيف، بين المعرفة السريعة المتدفقة، والمعرفة الهادئة المتوارثة.. وهذا التلاطم المعرفي لم يكن صراعاً وجودياً بين البيئتيْن المختلفتيْن في نمط الحياة والسلوك، بقدر ما هو حركة جدلية تُعيد تشكيل وعي الفرد والمجتمع كلما اقتربا أو تداخلا، فالمدينة تحتاج إلى جذور الرّيف لتستعيد معناها الإنساني في الوجود، كما يحتاج الريف إلى أدوات المدينة ليحمي ذاته من الجمود!
إن الفارق الحضاري بين سُكّان المدينة وسُكّان الريف لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تفاضلاً حضارياً، بل بوصفه تنوعاً في الحيثيات التي تنتج أنماطاً مميزة من الوعي والسلوك. فكل طرف يحمل جزءاً من التجربة البشرية، المدينة تحمل روح التغيير، والريف يحمل روح الثبات.. ومع تزايد «التلاطم المعرفي» في عالم اليوم، يصبح فهم هذه الفوارق ضرورياً لإدراك كيفية تشكُّل الإنسان بين ضغط الحداثة وما بعد الحداثة، ونداء الجذور التاريخية، منبت التراث والهُوية.
وإذن ففهم الفارق بين المدينة والرّيف ليس بحثاً في المفاضلة بين نمطيْن مختلفيْن، بل محاولة لقراءة الإنسان في شروطه المختلفة، فالمدينة ليست مُجرّد عمران، كما أن الريف ليس مجرد أرض زراعية، فكلاهما فضاء معرفي يُعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويرسم طرقاً متباينة لرؤية العالم الواحد.. وبين الحيثيات المتعارضة والمكمِّلة في آن، تتولّد حركة ثقافية يمكن أن تمنح المجتمع الكامل توازنه المفقود، مدينة تستمدّ من الريف روحه العميقة، وريف يستفيد من المدينة في تطوير أدواته وممكناته.. وهكذا، يبقى «التلاطم المعرفي» علامة صحية، شرط أن نقرأه بوصفه تداخلاً تنموياً يُعيد للإنسان ثقته بجذوره التاريخية، منبت التراث والهُوية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات