Atwasat

قهقهة الدلافين

محمد عقيلة العمامي الإثنين 24 نوفمبر 2025, 01:45 مساء
محمد عقيلة العمامي

لعل المؤرخ الروماني «بليني»، الذي يعد أبرز وأقدم علماء الطبيعة، إذ يكفيه كتابه الموسوعي «التاريخ الطبيعي»، الذي يتكون من سبعة وثلاثين مجلدًا، والذي يُعد من أهم مصادر المعرفة عن العالم الطبيعي في تلك الفترة، والمعروف عنه أنه توفي خلال العام 79 ميلادي أثناء محاولته إنقاذ الناس من ثوران بركان «فيزوف»، هو أوائل من كتبوا عن مخلوق بحري يعد الوحيد الذي يحب الإنسان «حبا مجردا من كل غاية!». هذا المخلوق هو «خنزير البحر» أو «الدرفيل»، أو الأكثر تداولا «الدلفين» مثلما تعارفنا عليه.

«بليني» هو الذي قال إن هذا المخلوق العجيب هو «الوحيد الذي يحب الإنسان لذاته!»، وذكر في كتاباته أن هذا الدرفيل حمل صبيا فوق ظهره في نزهة بحرية، وأعاده إلى اليابسة سالما، وهذا ما جعل «رجال المال» في العهد الروماني يضربون قطع نقود عام 74 قبل الميلاد مرسوما عليها هذا الدرفيل، الذي يسمى أيضا «الدلفين»، يحمل صبيا في تلك نزهة البحرية التي أشرنا إليها!

ولماذا أكتب لحضراتكم هذه المعلومات؟ لأنني كتبت كثيرا عن المخلوقات البحرية، وأقصد الأسماك، ولم أكتب شيئا عن هذا المخلوق البحري الذي يتعين أن نقول أولا إنه لا يعد من الأسماك! بل هو كائن يعرف الإنسان ويحبه كثيرا، وهو ذو وجه ضاحك، ومبتكر جيد لحركات بهلوانية! ويعد من الناحية البيولوجية أقرب إلى الإنسان من أي مخلوق مائي آخر، إذ له سيقان خلفية فطرية داخل جهازه العضلي، وإطار زعانفه يحتوي على أصابع ذات مفاصل! من بعد ولادته ببضعة أسابيع تبدأ أسنانه في الظهور، ويبدأ يمضغ بها حبارات البحر في فترة رضاعته، التي تستمر عاما ونصف العام!! ويتميز بحاسة سمع مرهفة للغاية، فهي أكثر حدة من حواس السمع لدي أي حيوان آخر.

والعجيب أن نومه مجرد «غفوات» متقطعة، لا تتعدى ثلاثين ثانية إلى خمس دقائق فقط! وهكذا يقضى حياته، التي تمتد حتى ثلاثين عاما، في حركة دائمة، من ولادته التي تستمر لأكثر من نصف ساعة إلى أن تلتفت أمه فجأة وبقوة، وتقطع الحبل السري، ويبدأ مباشرة في السباحة، والرضاعة التي يتناولها من حلمتين قائمتين في شقوق بالقرب من ذيل الأم! وهو يبصر فور ولادته، ويسمع بوضوح، بل ويميز صوت أمه، ويتحدثان معا!! لتتواصل حياته في حركة متواصلة.

قصص كثيرة وُثقت تثبت أن الدلفين أنقذ كثيرين من الغرق، وأكدت إحدى السيدات أنها كانت تعوم بشاطئ فلوريدا، فجرفها تيار سفلي إلى القاع، وأحست بعجزها ونزولها إلى القاع، وبغتة أحست بشيء يرفعها إلى السطح، ثم يدفعها نحو الشاطئ، وما إن سيطرت على نفسها بعد وقوفها فوق رمال القاع حتى انتبهت إلى دلفين يلعب ويقفز حولها! ويصدر أصواتا، وكأنه يناكفها، وبعدما وصلت الشاطئ، ووجدت رجلا يراقبها، واقترب منها وأخبرها أن الدلفين هو الذى دفعها حتى وقفت فوق رمال القاع!

عدوا الدلفين الأقراش وكلاب البحر، وإن تعرضت، على سبيل المثال، الأم أو وليدها لهجوم تطلق صفيرا هي ورفقاؤها من الدلافين، فتصل نجدة من كل الدلافين، وتحاصر القرش، وتشرع في طعنه برؤوسها إلى أن ينهار ويسقط في قاع البحر!

وتقدر سرعة سباحة الدلفين بنحو 48 كيلومترا في الساعة الواحدة، ولكن لا يستطيع البقاء تحت الماء لأكثر من ست دقائق! لذلك يقضي حياته في حركة دائمة. أما حالة إنقاذه الناس، ودفعهم والسباحة بهم حتى اليابسة، فيرجعها العلماء إلى روح اللهو والمرح التي تتسلط على هذا الحيوان، فمن متعه دفع الأشياء أمامه، ولعل ألعابه البهلوانية هي ما تؤكد ذلك.

كما يؤكد عالم يدرس سلوك هذه المخلوقات أن أربعة من الدلافين واصلت دفع لوح خشب سقط من سفينة تجارية حتى أوصلته إلى الشاطئ. كما سُجلت الكثير من الأحداث التي كانت فيها الدلافين ترشد السفن، وتقودها نحو ممرات بعيدا عن تلك غير الآمنة.

ومن عجب هذه المخلوقات قدرتها الفائقة في تقليد الأصوات، فلقد أثار تقليدها أصوات محركات الغواصات ربكة كبيرة لغواصات الحلفاء! ويؤكد أخصائي علم النفس الفسيولوجي «جون ليلي»، الذي مثلما تقول التقارير إنه تواصل مع الدلفين بلغة، أنه وجد أن مخ الدلفين يزن 1.68 جرام، بينما يزن مخ الإنسان 1.41 جرام، ولهذا العالم تجربة مثيرة تستحق دراستها، حيث تمكن من معرفة قدرة الدلفين على تقليد صوته وقهقهة زوجته!

والحقيقة أن متابعة مثل هذه الأبحاث مثيرة وشائقة، وأخشى أن التوغل في معرفتها قد تدفعنا لدراسة مواء القطط الليلي، واختلافه عن مواء النهار!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»